الانحدار المطلق - الفصل 138

كان سونغ ساهيوك مطروحًا بلا وعي، غارقًا في سُكرٍ عميق، لدرجةٍ لم ينتبه معها حتى لو وُضعت صاعقةٌ بجانبه.

ناديتُه مرارًا:

“شيطان السُكر العظيم! هيه، أيها السكّير!”

لكنه لم يتحرّك قيد أنملة. ركلته، دفعته، صرختُ في وجهه، بلا جدوى. في مثل هذه اللحظات، لم يكن سوى كتلةٍ من السُكر واللامبالاة.

زفرتُ بحدةٍ ثم التقطته وألقيتُه في البحيرة.

بلاش !

مرّت لحظات… ثم دقائق… ولم يخرج.

تنفستُ بضيقٍ، ثم صرخت:

“تبًا! لا أستطيع العيش بهذا الشكل!”

قفزتُ خلفه في الماء. كان يغوص إلى القاع كجثةٍ لا حياة فيها. سحبته بقوةٍ إلى السطح مجددًا.

“استفق!”

فتح عينيه أخيرًا وحدّق بي ببلادةٍ شديدة.

“آه، السيد الشاب؟”

تسلّقتُ القارب أولًا، وبقي هو طافيًا على الماء محدّقًا في السماء وكأنه يراقب الغيوم تتناوب على السخرية منه.

“ألن تصعد؟”

“سأبقى هنا.”

“أتمر من مراهقة متأخرة؟ أتحمّلك فقط لأن وجهك جميل!”

ابتسم بخبث.

“كفّ عن التحديق في وجهي الوسيم، وأعطني الخمر بدل ذلك.”

“هل هذه إحدى تقنيات فنون القتال لديك؟ الشرب وأنت ممدّد في الماء؟”

ولأنني تجاهلته، رفع يده فحلّقت قنينة الخمر نحوه بتقنية التحريك الذهني الفراغي، وأخذ رشفةً وهو لا يزال مستلقيًا.

سألته بنبرةٍ جادة:

“الإشاعات صحيحة، أليس كذلك؟”

لم يُجب.

“ماذا حدث بالضبط؟”

واصل السباحة مبتعدًا عن القارب بلا كلمة. جدّفتُ لأتبعه.

“قلتَ إنك ستتصالح، فكيف انتهى الأمر بمبارزة؟ هل تتلاعب بي؟ اخرج ولننهِ هذا!”

ردّ بتبرّم:

“ليس بسببي. ذلك العجوز رمى الخمر الذي أهديته له، أمام الجميع في الفناء!”

أغمضتُ عينيّ لحظةً. يا له من مزيجٍ من الكرامة والعناد.

“وهل قال شيئًا أيضًا؟”

جلس على قنينةٍ فارغة جعلها تطفو تحته كوسادةٍ من الزجاج، وقال مقلّدًا صوت غو تشيونبا:

“‘هل من الجيّد الهروب من الواقع بالخمر؟ أنت أكثر شياطين الدمار بؤسًا!’ فقلتُ له: ‘أليس الهروب من الواقع من دون خمرٍ أكثر بؤسًا؟'”

تمتمتُ ساخرًا:

“رائع، نضجٌ يُضرب به المثل”

“هو من بدأ أولًا!”

“وماذا في ذلك؟”

“كنتُ سأتجاهل الأمر، لكنه قارنني بشخصٍ آخر…”

“سوما؟”

أومأ مقلّدًا صوت غو تشيونبا مرةً أخرى:

“أنت أسوأ من المقنّع، فذلك يخفي وجهه فقط… لا قلبه.”

ضحكتُ بخفوت، فحتى التقليد جاء مثاليًا.

ثم غاص مجددًا تحت الماء، ليبقى هناك طويلًا قبل أن يطفو برأسه فقط.

“اذهب واعتذر. لا تردّ الإهانة، وسيهدأ الأمر.”

“لا، عليه هو أن يعتذر أولًا.”

“وإلا ستقاتله؟”

“لا أريد القتال أيضًا!”

“إذاً ماذا تريد؟”

“لا أعرف!”

سبح مبتعدًا مرةً أخرى، ثم عاد نحوي فجأة.

“السبب في أنني لا أريد قتال العجوز… هو أنت.”

نظرتُ إليه متفاجئًا.

“أنا؟”

قال ببطءٍ غريب:

“إن قاتلته، سيموت شيطان النصل السماوي الدموي الذي تهتمّ به كثيرًا.”

تشددت ملامحي، وبدأتُ أجدّف مبتعدًا.

“لا أصدّق هذيان سكّير.”

لكنه صرخ من خلفي:

“سيموت! سمعتَني!؟”

“ابقَ هنا وصحُ، وإن وجدتك سكرانًا عندما أعود، فأنت من سيموت.”

غادرتُ غابة السُكر العظمى متجهًا نحو غو تشيونبا.

كان يتدرّب كعادته، لكن تحرّكاته بدت أكثر شراسةً هذه المرّة، كأنها الليلة التي تسبق معركة.

“تتدرّب بكل هذا الجدّ فقط لمواجهة سكّير؟”

توقف، غرس نصله في الأرض وجلس على صخرةٍ منهكًا. العرق يتصبّب من جبينه.

سألته: “ماذا يحدث لو كُسرت القاعدة غير المكتوبة بعدم قتال شياطين الدمار؟”

قال بهدوءٍ مميت:

“لا شيء.”

“ألا توجد عقوبات؟”

“لا.”

“إذاً لماذا لا يكسرها أحد؟”

رفع رأسه نحوي وقال:

“لأن الجميع يعلم أن أحد الطرفين سيموت. حتى إن نجا الخاسر، فحياته كشيطان دمارٍ تنتهي. من سيتبع قائدًا هُزم؟”

“وأنت تدرك هذا، ومع ذلك تنوي المبارزة؟”

ابتسم ابتسامةً باردة.

“هل تخشى أن أفقد لقبي؟”

“عشتَ عمرك كله كشيطان دمارٍ، لن يكون سهلاً أن تصير مزارعًا شيطانيًا.”

قال عندها ما لم أتوقّعه:

“أتظنّني غبيًا لأخاطر بمنصبي من أجل ذلك الماكر؟”

“إذاً لماذا القتال؟”

“من أجلك.”

تجمّدت للحظة. كلاهما، الماكر والعنيد، يقول إن ما يفعله لأجلي.

تابع غو تشيونبا:

“هو يحاول التودّد إليك، لذلك أظهرتُ له أنني لا أُخدَع بسهولة. ألم تطلب منه المصالحة؟ إذًا حرّكتُ المياه قليلًا لأرى ما سيفعله.”

“شيطان السُكر العظيم ذكر اسم سيدة السيف.”

“الناس يظنونها نقطة ضعفي، لكنها لم تعد كذلك. حتى ضعفي يمكنني استخدامه الآن.”

“إذًا أنت لا تقاتل بدافع الغضب؟”

“بل بدافع الفهم. ظننتُ أن هذه المبارزة قد تفيدك، ستتدخل حتمًا، وتستفيد من الوضع.”

ابتسمتُ.

“توقّعتَ الكثير مني.”

“هل كنتُ مخطئًا؟”

“أبدًا، أصبت.”

“هذه المرّة، سأتبع قيادتك أنت. إن أمرتَ بالقتال قاتلت، وإن نهيتَ امتنعت. القتال قتالُك، لا قِتالي.”

أدركتُ وقتها أن هذا الرجل رأى جوهر الموقف بدقّةٍ تامة. هو يعلم أن أصل المشكلة بي، وأنني أنا من أراد جمعهما، وأنا أيضًا من عليه أن يُنهي الأمر.

“لن أتصالح معه، لكنني أفهم حاجتك إليه. أثق بك أكثر منه. استخدمه كما تشاء، ولكن سيطر عليه.”

شعرتُ بحرارةٍ تسر

ي في صدري. وجود رجلٍ كهذا إلى جانبي يجعل الخسارة عارًا لا يُغتفر.

انحنيتُ له باحترامٍ صامت.

“شكرًا لك.”

وقبل أن أبتعد، قال بنبرةٍ خافتة:

“يجب أن أردّ جميل الدواء الطبّي الذي أهديتني إياه.”

ابتسمت.

‘إنه ليس دواء، بل إكسير حياةٍ يا عجوز النصل.’

عندما عدتُ إلى برج أحلام السُكر، كان سونغ ساهيوك قد استعاد رشده، وارتدى ملابس نظيفة.

“ماذا قال العجوز؟ لا بدّ أنه شتمني، أليس كذلك؟”

“ما قاله لا يهمّ.”

رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة.

“لماذا؟ هل تجاوز حدوده؟”

“هذه ليست قضيته. بل قضيتي معك. كل هذا بدأ لأنني طلبتُ منك المصالحة معه.”

“لقد حاولتُ، حقًا.”

“لكن الآن أدركتُ أن الصلح بينكما مستحيل. وهذه المسألة، من الآن فصاعدًا، بيني وبينك.”

“كيف تقترح أن نحلّها إذًا؟”

أخرجتُ قنينة الخمر التي أحضرتها، وضعتها بيننا.

قال مستغربًا:

“بالشرب؟”

ابتسمت:

“لنشرب حتى نسقط. هل عندنا وجباتٌ خفيفة؟”

حدّق بي لحظةً، ثم انفجر ضاحكًا بضحكةٍ صافية لم أسمع مثلها منه قط.

“أحسنت! هكذا أحبك، أيها السيد الشاب.”

صاح على ليو بين:

“أحضري كلّ ما عندنا من خمرٍ معتّق!”

ثم بدأنا.

ذكّرني الجوّ بأول مواجهةٍ غير مقيّدة خضتها مع والدي. لم تكن جلسة الشرب هذه مختلفة عنها كثيرًا. شربتُ بلا حذر، بلا قيود، كما في أيّامي القديمة كمتجوّلٍ غارقٍ في اللذة والنسيان.

ضحك سونغ ساهيوك:

“تشرب جيدًا! كيف كتمت هذه القدرة طوال الوقت؟”

“لا يمكن أن يوجد شيطانان للسُكر في طائفةٍ واحدة.”

قهقه عاليًا. كان مبتهجًا حقًا.

تحدّث عن مغامراته القديمة، عن النساء، وعن شياطين الدمار الآخرين. وأنا أيضًا فتحتُ له قلبي؛ عن طفولتي، عن أخي الذي كان يتنمّر عليّ، وعن والدي.

وبين كأسٍ وأخرى، غاب المنطق وارتفعت الأرواح.

لكنه ظلّ يتفوّق عليّ ضعفًا في الكمية والسرعة.

في لحظةٍ ما، قلت: “الآن فهمتُ لماذا تغوص في البحيرة”

قفزتُ أنا أيضًا، سبحتُ لفّة وعدتُ مبتسمًا.

“تلك البحيرة هي وجبتي الخفيفة.”

“سأشرب ببطءٍ من الآن.”

“كفى شربًا.”

ابتسمتُ بخدر:

“أتعلم ما أجمل ما فيك؟ أنك لا تُجبر أحدًا على الشرب.”

ضحك وقال:

“أهذا أعظم ما فيّ؟”

“بل هو ما يجعلك رائعًا فعلًا… خاصةً حين يصدر منك هذا الصفاء وأنت سكران.”

استلقيتُ أرضًا أضحك، بينما واصل هو الشرب، يحدّثني كأنه يروي ملحمةً عن نفسه. لم أجد تفاخره مزعجًا، بل كان مسليًا كأغنيةٍ خفيفة.

ثم خطر لي فجأةً:

“ما رأيك بمصارعة ذراع؟”

“مصارعة ذراع؟ بطاقةٍ داخلية؟”

“بل دونها. تحدٍّ بين رجلين، وجهًا لوجه.”

“موافق. لكن فلنجعل لها رهانًا—الفائز يُحقّق له أمنية.”

“أمنية؟ لمجرّد مصارعة ذراع؟”

“ولِمَ لا؟ تخيّل زعماء العالم القتالي يتنافسون هكذا! سيُجنّ الفنانون القتاليون حبًا بهذا المشهد!”

“لكن اغتسل أولًا حتى لا تتحجّج بالخمر بعد الهزيمة!”

“سأريك أنني لا أحتاج لعذر!”

أفرغنا الطاولة واستعدّ كلٌّ منا. ثم بدأ التحدّي. في البداية كنتُ أضغط عليه بسهولة، ثم شعرتُ بطاقةٍ داخليةٍ تتدفّق من يده.

صرخت:

“أيها السكّير الماكر!”

وفعّلتُ طاقتي أنا أيضًا.

حينها حرّر قوّته كاملةً. كان شرابه وقوده، كأن الخمر يتحوّل في جسده إلى نارٍ داخلية.

ومع ذلك… لم يتمكّن من هزيمتي.

تحطّمت الطاولة بصوتٍ مدوٍّ.

صرختُ:

“العقاب على السكّير الجبان! فزت!”

قفزتُ بحماس، فضحك وقال:

“هذا لا يُحسب! استخدمتَ القوّة أولًا! كنتُ أكثر سُكرًا!”

لم أُعره اهتمامًا. أسندتُ ذراعي على السور، أتأمّل غروب الشمس وهي تصبغ العالم بالأحمر. ثم همستُ موجّهًا الكلام للبحيرة:

“الناس يقولون إنك مريب، لكنني أستمتع بالشرب معك.”

التفت إليّ بدهشة.

“تعرف أولئك الذين يراهم الجميع عاديين، لكنك تجد فيهم ما يُبهجك؟ هكذا أنت بالنسبة لي. أحببتُ تفاخرك وغرورك وحتى نظرتك الشاردة تلك. لذلك كنتُ أتساءل… ما سبب اقترابك مني؟ حتى لو كانت نيتك أنانية، لا بأس. فقط… اجعلها شيئًا يمكنني فهمه. لا تجعلها حاجزًا بيننا.”

تجمّدت ملامحه للحظة، ثم قال وهو يبتسم نصف ابتسامة:

“السيد الشاب يملك عادة سيئة… حين يسكر يتحدّث بصدقٍ مفرط.”

نظرتُ إليه بعينين صريحتين وقلت:

“أخي.”

اتسعت عيناه دهشة.

“من اليوم فصاعدًا، سنخاطب بعضنا كإخوة. هذه أمنيتي.”

“ولماذا بعد أن فزت؟”

“لأنها أمنيتي أنا أيضًا.”

ترددت ابتسامةٌ دافئة على وجهه، ثم تمتم وهو يهزّ رأسه:

“أنت حقًا مجنون …”

“أسمع ذلك من الجميع. يبدو أن الجنون علامة الشيطان الكامل!”

“ذلك الجنون الخفيف هو أخطر ما فيك.”

رفع كأسه، وسكب لي شرابًا:

“أيها الأخ الصغير، هذا لك.”

“نعم يا أخي.”

شربنا الكأسين معًا.

“لا تتحمّس كثيرًا. صحيح أنني معجب بك، لكن نصف هذا الإعجاب من الخمر. النصف الآخر… من القلب. الآن، أستأذن.”

كنتُ أهمّ بالنهوض حين نطق فجأةً بصوتٍ متغيّر:

“إنه بسببي.”

توقّفتُ في مكاني.

“ماذا قلت؟”

رفع رأسه نحوي وقال ببرودٍ مزلزل:

“الصدع بين شيطان النصل السماوي الدموي وسيدة السيف… هو بسببي.”

حدّقتُ به مصدومًا، فتابع بصوتٍ أثقل:

“أنا من زرعت الخلاف بينهما.”