الانحدار المطلق - الفصل 139
احمرّ وجهُ شيطان السُّكر العظيم.
لم يكن واضحًا إن كان ذلك بسبب الكحول، أو غروب الشمس، أو العار المدفون منذ زمنٍ بعيد.
قال بصوتٍ مبحوح:
“أحتاج أن أشرب أكثر.”
جلستُ مجددًا بعد محاولتي الوقوف. كنتُ أعرف سبب تدهور العلاقة بين شيطان نصل السماء الدموي وسيدة السيف ذات الضربة الواحدة؛ فقد كانا على علاقةٍ عاطفيةٍ ذات يوم، لكنهما افترقا بطريقةٍ غير سارّة. إلا أنني لم أكن أعلم أن شيطان السُّكر العظيم كان متورطًا في ذلك الانفصال.
قال وهو يحدّق في كأسه:
“منذ زمنٍ طويل، كنت أشرب وأتحدث مع سيدة السيف من وقتٍ لآخر. في أحد الأيام سألتني إن كنت أعرف أي نوعٍ من الأشخاص هو شيطان النصل. سألتها عن السبب، فقالت إنه رسم لها صورة. طلبت أن أراها، فكانت لوحةً مذهلة، أجمل من الواقع نفسه. في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة… آه، شيطان النصل يحب سيدة السيف، وقد شعرت بذلك بوضوح.”
كان ذلك في شبابهما. فكرة أن يرسم شيطان نصل السماء الدموي صورةً لامرأة كانت أشبه بالخيال.
“بعد ذلك، بدأ شيطان النصل يظهر اهتمامه بها علنًا؛ دعاها للشاي، خرج معها في نزهات… وكانت سيدة السيف تخبرني بكل لقاءٍ بينهما. هل تعرف كيف شعرت حينها؟”
“هل كنت منزعجًا؟”
أجاب وهو يبتسم بمرارة: “كثيرًا.”
“هل كنت تحبها أنت أيضًا؟”
“لم يكن الأمر كذلك في البداية. لكن حين أدركت أن شيطان النصل يحبها، اجتاحتني رغبةٌ غريبة. حتى ذلك الوقت كنت أظن أن سيدة السيف معجبةٌ بقائد الطائفة، لذا افترضت أن لا أحد سواه يهمّها. لكنني اكتشفت أنها لم تكن تحبه، بل كانت فقط تحترمه.”
سكبت له كأسًا أخرى. نظر إليه بفراغٍ، وكأنه يرى وجهه القديم في أعماق السائل الشفاف.
“في يومٍ من الأيام، أثناء الشرب، ألمحت لسيدة السيف عن مشاعري… لكن…”
لم يستطع مواصلة الحديث، فتنهّدت وقلت نيابةً عنه:
“رفضتك.”
أومأ ببطء.
“قالت إن قلبها مع شيطان النصل.”
فجأة صرخ سونغ ساهيوك بعصبية:
“هل هذا معقول؟! ذلك الشاحب النحيف القبيح الأكبر سنًّا منّا؟! لم أصدق! كنت محبطًا وغاضبًا من نفسي… غاضبًا لأنني تسرعت، ولأنها رأت وجهي الأحمق وأنا أُرفض.”
ابتسم بمرارة، ثم أكمل بصوتٍ متهدج:
“بصراحة، لم أكن أحبها كثيرًا، لكن عندما علمت أنه يحبها، لم أرد أن أخسر أمامه. اعترفت بدافع الغيرة فقط. يا لي من أحمق! قضيتُ أيامًا بلا نوم، أبحث عن مبررٍ لما فعلت.”
التفكير في ذلك الوجه الماكر، وقد امتلأ بالصدق الطفولي، كان أمرًا يصعب تخيله.
قلت مبتسمًا: “ألم تكن تلك أيام الوحوش الحمقاء التي يحركها الاندفاع؟”
“بلى، أليست كذلك؟”
كنت كذلك أنا أيضًا.
صرخ فجأة: “اللعنة! مجرد التفكير في ذلك الوقت يملؤني بالحرج!”
وقف وبدأ يمشي ذهابًا وإيابًا داخل الجناح، ثم انهار على السياج الخشبي ونظر إلى البحيرة التي غطّاها الظلام.
“منذ ذلك اليوم، فسد شيء بداخلي. لم أُظهره، لكنني أردت أن أزرع بينهما شقًّا. ومع مرور الوقت، كان حب سو يون رانغ لـغو تشيونبا يزداد أكثر. ثم جاء يومٌ غيّر كل شيء.”
أشعل الفانوس المعلق على العمود، فارتعشت ألسنة الضوء على وجهه. كانت حركاته، الغضب، المشي، وإشعال النار، تعبّر عن اضطرابٍ داخليٍ عميق.
قال بصوتٍ متوتر:
“كنت أمشي في ممرٍ في غيرو حين سمعت صوت شيطان النصل. كان يشرب مع مقاتلي عائلة نصل السماوات الجنوبية. كانوا يسألونه عنها… كم يحبها؟ هل قبّلها؟ هل نام معها؟ ضحكوا مثل الحمقى… كنت أشتعل غضبًا. هؤلاء الأوغاد!”
رفع كأسه وشربه دفعةً واحدة. فعلت مثله. لم أشعر بالسكر، بل بشيءٍ أثقل، وكأنني أعيش المشهد بنفس اللحظة.
“أردت أن أقتحم الغرفة وأقلبها رأسًا على عقب، لكنني لم أفعل.”
“لماذا؟”
“شعرت أن حياتي ستنتهي إن كسرت ذلك الباب.”
الآن، بعد كل تلك السنين، أدركت أنه لم يكن ليتغير شيء حتى لو فعلها.
“في اليوم التالي، قابلت سيدة السيف. قلت لها إنني رأيت شيطان النصل في غيرو، وهذا وحده كان كافيًا ليزعجها. لكنني تماديت… قلت إنه كان يتحدث عنها بشكلٍ غير لائق، بينما في الحقيقة كان الآخرون هم من قالوا ذلك. ما زلت أذكر قلبي وهو يخفق بجنون وأنا أكذب. هل كنت حقيرًا إلى هذا الحد؟ بينما كان عقلي يصرخ في وجهي، كان لساني يقول: الرجال دائمًا يتفاخرون أمام المحظيات. ولم أكن أعلم إن كانت هناك محظية أصلًا!”
ثم شدّ على السياج بقوة حتى تصدّع الخشب في يده.
“بعد ذلك بوقتٍ قصير، أخبرتني سيدة السيف أنها تشاجرت معه وافترقا. ومنذ ذلك اليوم، كل لقاءٍ بينهما كان يتحول إلى شجار.”
“هل واصلت زرع الفتنة بينهما؟”
هز رأسه نفيًا:
“لم يكن هناك داع. بعد أن انكسرت العلاقة، تحطمت بسرعةٍ من تلقاء نفسها. والآن… حين نجلس للشرب، نتحدث عنها بسخرية. إن ذلك… ممتع تقريبًا.”
“هل فكرت يومًا في الاعتذار؟”
“فعلت.”
“ولمَ لمْ تعتذر؟”
“ربما لو كان السبب أكبر، لاعتذرت.
لكن لا يمكنني أن أقول إنني فعلت ذلك بدافع الغيرة. أو ربما… ما زلت لا أريدهما أن يتصالحا.”
ثم أضاف وهو ينظر إليّ بعينين باهتتين:
“أنا شخصٌ تافه وحقير.”
“أعرف.”
“ماذا!؟”
“هل ظننت أنني أراك مستقيمًا وصادقًا؟ أنت ماكر وخبيث …”
صرخ: “كفى!”
لكن الغضب لم يخفِ ارتجاف صوته.
“هل فعلت شيئًا فظيعًا حقًا؟ إن انهارت علاقتهما بسبب كلماتي، فهل كانت قوية أصلًا؟ من أجبره أن يذهب إلى غيرو؟ من جعله يتحدث عنها؟ اللعنة!”
تأملته بصمتٍ وقلت:
“ربما أنت محق. لو كان الحب بينهما حقيقيًا، لما اهتزّ بذلك. كان سيتحطم لاحقًا بسبب شيءٍ آخر.”
اقترب مني مبتسمًا ثم زفر بعمق:
“لكن عندما انفصلا… لم أشعر بالسعادة أبدًا.”
“ولماذا تخبرني بكل هذا؟”
“ألم تسألني يومًا لماذا اقتربت منك؟ في حفلٍ حديث، قالت سيدة السيف إنك تحاول أن تجمع بين شيطان النصل وإياها كجناحين. فكنت أتساءل… هل أتيتُ لأقصّ الأجنحة؟ أم لأساعدها على الطيران؟”
ثم ابتسم بمرارة:
“لا أعرف. رأيتهما حولك وشعرت أن عليّ أن أقول شيئًا. لم أظن أبدًا أنني سأكشف كل هذا.”
“هل تشعر بالارتياح الآن؟”
“أندم بالفعل. لمَ كان عليّ أن أقول كل هذه التفاهات؟ كأنني كنت مسحورًا، منساقًا وراء حديثك عن النقاء.”
ثم تمدّد على الأرض محدقًا في سقف الجناح.
“من الآن، كلما نظرت إليّ ستتذكر هذا الحديث.”
“ربما… يا أخي الأحمق.”
ضحك، ثم علت ضحكته حتى امتلأ المكان بصداها. وبعد أن هدأ، سألني:
“هل ستخبرهما بالحقيقة؟”
“ليس قراري أن أتخذه.”
“وأنا… لا أنوي أن أكشف لهما شيئًا.”
“افعل ما تشاء.”
“سأفعلها فعلًا.”
“لم الحرية في ذلك.”
نظر إليّ بحدةٍ ثم قال: “ألا تريد أن يتصالحا؟”
“هل تظن أنهما سيكونان أكثر سعادة إن عرفا الحقيقة؟ كلا. سيتألمان أكثر. سيكرهانك، وسيندمان لأن حبهما تحطم لأسبابٍ تافهة. لن يعود الماضي، وما ينتظرهما ليس سوى الندم.”
كنت أعلم أن هذه الحقيقة لا ينبغي أن ترى النور أبدًا. لو عرف شيطان نصل السماء الدموي، لربما قتل شيطان السُّكر العظيم غاضبًا، وحينها سيدفع الثمن. أما سيدة السيف، فستنهار تمامًا.
قلت بهدوء:
“فكر في ما قلته لك كفرصتك الوحيدة للاعتراف. الآن بعد أن تخلصت من عبء هذا السر، قد تتمكن من التوفيق بينهما بطريقةٍ مختلفة. اقترب من عجوز النصل، وأحسن الحديث عن يون رانغ بدلًا من القدح فيها. من يدري؟ ربما تأتي الفرصة يومًا لتمنحهما الأجنحة من جديد.”
ابتسم وقال: “يبدو أنك أنت من يجب أن يكون الأخ الأكبر.”
“لا، شكراً. من الممتع أكثر أن أكون الأصغر، لأتمكن من السخرية منك.”
ارتاح وجهه أخيرًا.
“وعدني بشيءٍ واحد.”
“ما هو؟”
“قلل من الشرب وتناول الطعام. يجب أن تعيش طويلًا، أيها الأخ الأحمق.”
لم أكن أعلم إن كان هذا اليوم سيمثل نقطة تحولٍ في حياته. ربما يتغير مصيره… أو ربما يموت أبكر. لكن أي موتٍ سيكون أكرم من أن يُنهكه الكحول ببطء.
قلت له مبتسمًا:
“لنشرب كأسًا أخيرة. لا أستطيع أكثر من ذلك… وشكرًا على صراحتك.”
رفع كأسه وقال بهدوء:
“أخي الصغير… شكرًا لك.”
اصطدمت كؤوسنا، وامتلأ الليل بصوتٍ خافت يشبه الاعتراف.
في اليوم التالي، استدعاني والدي.
حين دخلت جناح الشيطان السماوي، شعرت أن الجو مختلف عن المعتاد. كان المستشار سيما ميونغ هناك، وكذلك أخي الأكبر غوم مويانغ.
بعد أن حييتهم، قال غوم مويانغ:
“أنت تفوح برائحة الكحول. أهذا يليق بمقابلة والدي؟”
“شربت أكثر مما يجب البارحة، مع أكثر من يحب الشراب في الطائفة.”
تعمدت ذكر شيطان السُّكر العظيم.
تقلصت عضلات فكه، لكنه تظاهر بالهدوء.
“سمعت أنك تمضي وقتًا طويلًا معه مؤخرًا. لا تدع ذلك يؤثر عليك.”
ابتسمت بسخرية.
“ألست أنت من يجب أن يحذر أكثر؟ سمعت أنك تمضي وقتًا مع ملك السموم. أنا أتعامل مع الكحول، وأنت مع السم… فكن حذرًا، يا أخي.”
حتى أمام والدي، اشتعل التوتر بيننا.
لكنني لم أحاول إخفاءه. تعلمت من الأمس أن المشاعر المكبوتة تقتل أكثر مما تشعل النار.
راقبنا والدي غوم ووجين بصمتٍ ثقيل، ثم أشار إلى سيما ميونغ.
قال المستشار:
“اليوم، سيتلقى كلٌّ منكما مهمة مختلفة.”
كان يحمل مظروفين أحمرين.
عند رؤيتهما، أدركت أن اللحظة قد حانت؛ الاختبار الحقيقي لتحديد الخليفة.
قال سيما ميونغ: “لضمان العدالة، اختر ما يروق لك أولًا.”
تذكرت هذا المشهد من حياتي السابقة. في ذلك الزمن، نجح أخي نجاحًا باهرًا… بينما أنا فشلت فشلًا ذريعًا، وخسرت كل شيء.
نظر إليّ غوم مويانغ وقال بابتسامةٍ باردة:
“تفضل واختر. لكن لا تندم لاحقًا إن اخترت الخطأ.”
ابتسمت له بثقةٍ وقلت:
“أشك في أن يحدث ذلك.”
ثم مددت يدي ببطء… واخترت أحد المظروفين.