الانحدار المطلق - الفصل 137

“أين كنت؟ “

ردًّا على سؤال سو داريونغ، أخبرته إلى أين ذهبت .

رمش داريونغ بعينيه وسأل، دون أن يبدو عليه أيّ ذهول هذه المرّة .

“ذهبتَ إلى هناك في أربعة أيام فقط؟ “

“نعم .”

“لستَ تمزح، أليس كذلك؟ “

أومأتُ برأسي، فهزّ رأسه متنهّدًا .

“لن أسأل أكثر. بل لن أحاول حتى الفهم. إن فكّرتُ كثيرًا، سينتهي بي الأمر بأن أبدو كالغريب. في هذه المرحلة لن أُفاجأ لو قلتَ فجأة: سأنضمّ إلى تحالف الموريم غدً ا.”

“طالما تفهم، فهذا يكفيني. بالمناسبة، أين اختفى شيطان السُّكر العظيم ؟ “

“لم يظهر أبدا منذ أن غادر ت.”

تذكّرتُ المرة الأخيرة التي افترقنا فيها، حين كان جالسًا في قاربٍ صغير يشرب وحده .

قلت له آنذاك أن يكفّ عن الهراء حول السلام في العالم القتالي ويتحدّث عن السبب الحقيقي، ولعلّه غضب من كلماتي تلك .

‘ما لم تكن صادقًا، لن نكون أبدًا كالإخو ة.’

ربما كان يرغب فعلًا في إنهاء الحروب، لكنني شعرت أن اقترابه مني لم يكن لهذا السبب وحده .

“بالمناسبة، أيها المحقّق سو، لماذا تعرج منذ الصباح؟ “

“سيدي أخضعني لتدريبٍ جهنّمي البارح ة.”

“فجأة؟ “

“نعم، لم يكن في مزاجٍ جيّ د.”

في تلك اللحظة، دخل غو تشيونبا المكتب يرافقه أحد المحقّقين .

وبما أننا كنا نتحدث عنه، بدا الارتباك واضحًا على وجه سو داريونغ .

“سيد ي!”

كان غو تشيونبا بالنسبة إليه سيّدًا مهيبًا يحترمه بصدق، بل يكاد يعبده .

كنتُ أتمنى لو عامله الأخير بشيءٍ من اللين، لكنّ شيطان النصل السماوي الدموي اكتفى بإيماءة باردة وقال :

“اخرج للحظ ة.

“ حاضر!”

خرج سو داريونغ يعرج بوضوح، لكنه شدّ أسنانه وخرج بخطى ثابتة .

‘تم اسك يا محقّق سو… ليس من السهل كسب دفء سيّدك الصار م.’

بدت عينا الكبير الحادّتان أكثر شراسةً من المعتاد. لم يكن في مزاجٍ حسنٍ البارحة، ويبدو أن اليوم امتدادٌ لذلك السوء .

“مرحبًا، أيها الكبي ر.”

قال دون مقدّمات :

“جاء سونغ ساهيوك لرؤيتي أمس!”

فهمتُ على الفور. التدريب الجهنّمي لسو داريونغ كان بسببه .

“أحضر قنينة خمر. من النوع الغالي جدًّ ا.”

رغم أن صوته كان هادئًا، إلا أن ملامحه كانت ممتعضة .

“ولماذا جاء؟ “

“قال إنه أراد فقط أن يهديها لي، ثم غاد ر.”

هكذا إذًا بدأ سونغ ساهيوك محاولة المصالحة بعد خمسة أيام من القطيعة .

“هذا يُشبه ما فعله سوما حين طلب مني إيصال شيءٍ إلي ك.”

“ذاك كان لأمرٍ بيننا. أمّا هذه المرة، فبسببك أن ت.”

“بل أظن العكس. إنه بسبب ك.”

حدّق فيّ بشكّ، وقال :

“كنتَ أنت، أليس كذلك؟ لا بد أنك حرضته على ذلك، وإلا فذلك السكّير ل ن يفعل خيرًا طيلة عمر ه.”

راودتني رغبة بالاعتراف، لكنني أنكرت الأمر تمامًا. فالمصالحة لا تكتمل إلا إن كانت من قلبيهما معًا .

“لا علم لي بالأمر. ربما أُعجب بك بعد شجاركما في حانة الرياح المتدفق ة.”

“أُعجب بماذا؟ كلّ ما فعلته هو شتمه !”

“ومن غيرك في العالم يجرؤ على شتمه هكذا؟ ربما تغيّر قلب ه.”

“لا تدافع عن شيطان السُّكر العظيم . قلتُ لك من قبل، إنه رجل ماكر. لا تمنح قلبك لمن لا يستحقّه. كلّما ذهبت أبعد، كان الرجوع أصع ب.”

قال ما قال، ثم غادر المكتب غاضبًا .

كانت المصالحة الآن رهن الخطوة التالية لـسونغ ساهيوك. حينها فقط سيتحرّر من طبقةٍ أخرى من كبريائه… وسأتعرف عليه أكثر .

تلك الليلة .

جلستُ على غصن شجرةٍ بعيدة أراقب لي آن تتدرّب .

كانت تمارس فنّ السيف الشاهق بوجهٍ جادّ وعرقٍ يتصبّب، تكرّر الحركات ذاتها بلا كلل، حتى تتقنها تمامًا .

حينها دخل شخصٌ ساحة التدريب .

كان تشونغ ميون، اليد اليمنى لشيطان الابتسامة الشريرة.

“لي آ ن.”

“ أوه ، تشونغ ميو ن.”

“آسف للمجيء في ساعةٍ متأخّر ة.”

“لا بأس. ما الذي أتى بك؟ “

“هل ما زال عرضكِ بتولّي قيادة الفرقة الأولى قائمًا؟ “

“طالما لم ترفضه بوضوح، فهو شاغر دائمً ا.”

اهتزّ صوت لي آن مرتبك ة ، بينما استمرّ تشونغ ميون بأسئلته :

“وماذا سيفعل فيلق ظلّ الشبح مستقبلًا؟ “

“سيعمل فقط من أجل السيد الشاب.”

“وماذا لو تعارضت أوامر قائد الطائفة مع أوامر السيد الشاب ؟ “

ابتسمت بخفةٍ دون إجابة .

“هل تعرف ين ما الذي تلمّح ين إليه؟ “

“لم أقل شيئً ا.”

تبادلا النظرات في صمت، وكان يمكن رؤية الصراع في عينيه من خلف القناع .

حين عرضت عليه قيادة الفرقة أول مرة، ظنّها مجنونة. فقد أنقذت حياته من قبل، لكنها الآن تطلب منه أن يتخلى عن طموحه ليصبح شيطان الدمار المستقبلي من أجل أن يكون قائد فرقة؟

ظنّها فقدت عقلها تمامًا .

لكنه مع مرور الأيام لم يستطع طردها من تفكيره .

ظل يتساءل كل يوم دون كلل أو ملل:

‘ لو عرضت عليّ ذلك قبل أن تتغيّر… هل كنتُ سأرفض ؟’

عَذَل نفسه لضعفه أمام جمالها، لكنه لم يستطع التخلّص من الفكرة. لولاها، لكان ميتًا .

قالت لي آن بصراحةٍ هادئة :

“أنا أثق بالسيد الشاب . إن قال إن ال

سماء هي الأرض، فسأعيش مؤمنةً أن السماء هي الأرض. وإن قال: مو تي بدلاً مني، فسأموت. أحيانًا أتدرّب أمام المرآة متسائلةً: ما الكلمات التي سأتركها له إن متّ؟ لديّ كلمات مختلفة… بعضها لأجعله يتذكرني، وبعضها لأجعله يودّعني دون ألم، وبعضها لأوجعه. هذا هو فيلق ظلّ الشبح . إن انضممتَ، فعليك أن تعرف ذلك .”

حين أنهت كلماتها، زال ارتجافها وبدا صوتها أكثر ثباتًا .

“ليس عليك القرار الآن. أرجوك خذ وقتك، لأجلي أيضً ا.”

“من أجل هذا الفنان القتالي؟ ماذا تعنين؟ “

“المنصب الذي أعرضه عليك ثمينٌ بالنسبة لي. أول قيادةٍ تولّيتها في حياتي. لا أريدك أن تندم، ولا أريد أن أندم أنا أيضًا. لذا، فكّر جيّدًا، وسأُبقي المنصب مفتوحًا مهما طال الوقت .”

صمت لحظة ثم سألها :

“هل يمكنني الاحتفاظ بقناعي لو انضممت؟ “

“نعم. لكن عليك أن تتحدّث معي كثيرًا، حتى لو ظهر أمامي من يرتدي القناع نفسه، سأعرفك فورً ا.”

انحنى تشونغ ميون بأدبٍ وغادر، فيما تنفّست لي آن بارتياحٍ مبالغ فيه :

“أوف! ظننت أنني سأموت من التوتر! ما الذي قلته كلّه؟ أفسدتُ الأمر حتمً ا!”

كنت أراقبها من بعيد، فضحكتُ بصوتٍ خافت .

وفجأةً هبط بجانبي شيطان الابتسامة الشريرة؛ بدا أنه كان يتعقّب تشونغ ميون .

“بعد ليالٍ بلا نومٍ من القلق، جاء أخيرً ا.”

ل قد لاحظ قلق تابعه منذ البداية .

“أيها الأحمق، ماذا تفعل؟ مفتونٌ بجمالٍ زائل؟ “

“أليس جمالًا يستحق الافتتان؟ “

“أخذتَ قناعي، والآن تأخذ مرؤوس ي.”

“القناع كان هدية منك. أما مرؤوسك… فهي من جذبته، لا أن ا.”

“إذن سأنتقم من ذلك القلب الجمي ل.”

“في هذه الحالة، اعتبرني أنا من أخذت ه.”

ضحك سوما بهدوء، ضحكة أشبه بهدير وحشٍ مكبوت .

“وماذا لو قرّر الرحيل فعلًا؟ “

“هل سأبقى شيطان الابتسامة الشريرة إن تركته يذهب دون عقاب؟ على الأقل سأقطع ذراعه قبل أن أودّع ه.”

لم أدرِ أكان يمزح أم يعنيها فعلًا. ظننت سابقًا أنه سيسمح له بالمغادرة، لكن يبدو أنني كنت مخطئًا .

“دعْه يرحل، أليس الأفضل أن يعيش بحرّية؟ “

“تقول إن كونه قائدًا في منظّمة صغيرة أفضل من أن يصبح شيطان دمار؟ “

“في الوقت الحالي، نعم. ذلك المنصب حلمٌ بعيد، أما القيادة فهي واقعٌ حا ضر.”

في الحقيقة، حتى لو كبر تشونغ ميون، فلن يملك فرصةً حقيقية لبلوغ ذلك المقام. لم يكن سوما يعلم أنه سيحتفظ بمنصبه لعقودٍ طويلة، ولا أن تابعه سيظلّ إلى جانبه طوال ذاك الوقت.

“كلانا، أنا وأنت، مقيّدان بأقدارنا. فلنَدَعْ على الأقل تشونغ ميون يعيش كما يشاء .”

“وماذا لو ندم لاحقًا؟ “

“حينها سي تحمّل ندمه. فالندم جزء من الحياة. وإن عاد إليك يومًا… استقبل ه.”

“لا فرص ة لذلك.”

“عدني أن تفعل. لأن تشونغ ميون الذي يعود بعد أن عاش واختبر الندم، لن يكون كما كان. سيكون أقوى، وأسرع، وسيفه أصد ق.”

حدّق بي طويلًا وقال بنبرة غامضة :

“كنتَ دائمًا فضوليًا بشأن ما خلف قناعي، أليس كذلك؟ أما أنا، ف فضوليّ بشأن ما بداخلك أن ت.”

شعرت بوخزٍ من الانزعاج، لكنني أجبت بابتسامةٍ هادئة :

“وأنا أحيانًا أتساءل أيضًا. ما الذي في داخلي يجعلني أتحدث كشيخٍ عجوز؟ أبدو حكيمًا كثير الكلام، وهذا يجعلني غير محبوبٍ بين النساء، أليس كذلك؟ “

“على الأقل أنت واعٍ بذل ك.”

ضحك سوما عاليًا، فضحكتُ معه .

“بما أننا على هذا الحديث، أطلب منك معروفًا. إن اختار تشونغ ميون أن يصبح قائدًا، وغضبتَ لدرجة أنك تريد قطع ذراعه… قابلني أولً ا.”

“حتى تق طع ذراع ي أنت؟ “

“ولمَ أفعل وأنا أفضلّك عليه؟ “

“إذن لِم اللقاء؟ “

“من أجل لي آن، سأحاول تهدئتك وإقناعك. بصد ق.”

“سأفكّر بالأم ر.”

طار بعيدًا بسرعة، فعُدتُ لأنظر إلى لي آن، التي استعادت تركيزها وتابعت تدريبها بصرامة .

‘ أنتِ تبذلين جهدًا رائعًا يا لي آن. في النهاية، سيُعجب تشونغ ميون بمهارتك أكثر من كلماتك. ومغفرة سوما ستعتمد على هذا أيضً ا.’

في اليوم التالي، دخل سو داريونغ المكتب بوجهٍ متحمّس وسأل فورًا :

“أيها القائد، هل سمعتَ الإشاعة؟ “

“أيّ إشاعة؟ “

“يقولون إن سيدي سيتبارز مع شيطان السُّكر ال عظيم!”

اتّسعت عيناي بدهشة .

“حقًا؟ “

“لست متأكدًا إن كانت إشاعة أم لا، لكنها خرجت من عائلة نصل السماوات الجنوبية. ومعروف أن شياطين الدمار لا يتقاتلون فيما بينه م!”

بدا سو داريونغ قلقًا بالفعل .

“هل أنت قلق؟ “

“بصراحة، نع م.”

“ممّ تقلق؟ سيّدك يتدرّب بشراسة في الآونة الأخير ة.”

“لكنه… كبير في الس ن.”

‘ل و عرف شيطان النصل السماوي الدموي أن تلميذه يقلق عليه هكذا، هل كان سيعذّبه بتلك التدريبات الجهنّمي ة؟’

نهضتُ من مقعدي .

“إلى أين أنت ذاهب؟ “

“لشراء بعض الخمر. خمرٍ قويّ جدًا اليو م.”

“هل ستمنع سونغ ساهيوك؟ “

أجبت وأنا أغادر :

“لن تكون هناك مبارزة. إن أصرّا على القتال، فسيموت أحدهما على يدي أولً ا.”

طلبتُ منهما أن يتصالَحا… وها هما يفكران في المبارزة؟

حقًا، لا يمكنني أن أعيش هكذا. لا يمكنني فحسب.