المطاردة الكبرى في المدينة لستُ مجرمًا حقًا! - الفصل 45: «الشرطي المزيّف» يدخل بيت «الشرطي الحقيقي»
حين وصل إلى حديقة يوانفِنج في البلدة كان الظلام قد حلّ تمامًا
ورغم أن أضواء البيوت المتناثرة لم تكن تعكس ازدهارًا، فإن المشهد بدا كأنه عالم آخر مقارنة بقرية بينغياو وقرية هانتان
على الطريق أمام حديقة يوانفِنج تفاجأ تشن مو بسرور
لم تكن حديقة يوانفِنج مجمّعًا سكنيًا حديثًا
جدرانها المتبقعة تنضح بقدم الزمن وتعرّضه، ما يوحي من النظرة الأولى بأنها لا تقل عن 20 عامًا
اسمها يوحي بمجمّع سكني، لكنها في الحقيقة مبنى واحد من 7 طوابق
وبنظرة سريعة بدا أن في كل طابق وحدتين فقط
كانت البوابة الحديدية الخضراء الباهتة مفتوحة، وعجوز يرتدي زيّ حراسة يغفو عند المدخل وهو يصغي إلى أوبرا يويه عبر مذياع
كان وجوده أقرب إلى الواجهة لا أكثر
غير أن هذا بالذات كان ما يريده تشن مو دون شك
ترجّل من السيارة وسار بسرعة
العجوز الحارس، الذي أثقله النعاس بعد العشاء، انتفض فورًا من كرسيه لما رأى شرطيًا يقترب نحوه
أدى التحية لتشن مو وهو يقول: «حضرة الشرطي»
كتم تشن مو ابتسامة وردّ التحية
ثم سأل مباشرة: «مرحبًا، تعيش السيدة هوانغ يوتشو هنا، صحيح»
«هوانغ يوتشو؟ نعم نعم، تعيش هنا، بيتها في 301»
قالها العجوز الحارس عفوًا من غير أن ينتظر سؤالًا إضافيًا
ثم سأل بفضول غِرّ: «حضرة الشرطي، ما الأمر»
«لا شيء»
ابتسم تشن مو ومضى يتجاوزه من غير أن يلتفت
وبحكم أن المبنى قديم منذ سنين طويلة، فليس فيه مصعد
على الدرج الضيق، حيث طلاء أبيض يتقشّر عن الجدران، صعد تشن مو مباشرة إلى الطابق الثالث
عند باب الشقة 301، ولأنه لم يجد جرسًا، لم يكن أمامه إلا أن يطرق الباب برفق
بعد قليل، فتحت امرأة ترتدي مريول مطبخ الباب بسرعة بعدما رأت شرطيًا عبر عين الباب
كانت هوانغ يوتشو ذات شعر مجعّد يصل إلى الكتفين وهيئة راقية إلى حدّ ما، وتكلمت أولًا
«حضرة الشرطي، ما الذي جاء بك»
«أأنتِ المديرة هوانغ يوتشو؟ أنا من فرع التحريات في المكتب البلدي، وأودّ أن أسألك عن أمر ما» قال تشن مو بابتسامة خفيفة
نداؤها بلقب «المديرة هوانغ يوتشو» أيقظ في نفس هوانغ يوتشو موجة حنين مفاجئة
ثم بعد أن أبرز لها تشن مو بطاقة تعريفه الشرطية، استقبلته على عجل إلى الداخل
«أيها الضابط خه، انتظرني لحظة، سأغلق الموقد في المطبخ أولًا» قالت هوانغ يوتشو بابتسامة اعتذار ما إن دخلا البيت
«حسنًا، تفضّلي يا مديرة هوانغ، لا عجلة»
«حسنًا حسنًا، تفضّل بالجلوس يا ضابط خه، اجلس أولًا»
بعد أن جلس تشن مو، سارعت هوانغ يوتشو إلى نزع المريول، وأغلقت الموقد في المطبخ، وغسلت يديها، ثم عادت مسرعة
«أيها الضابط خه، جئت لتسألني عن دار الرعاية، صحيح»
وقبل أن يتكلم تشن مو، سألت هوانغ يوتشو الجالسة إلى جانبه بابتسامة
عندها ارْتسمت على شفتي تشن مو ابتسامة خفيفة من تلقاء نفسه: «أوه؟ كيف عرفتِ أنني أريد السؤال عن دار الرعاية»
«لأنك ناديتني بـِالمديرة. دار الرعاية أُغلقت منذ أكثر من 10 سنوات، وأنا لم أعد مديرة منذ أكثر من 10 سنوات أيضًا. قلائل الآن من ينادونني بالمديرة. أيها الضابط خه، قل لي، ماذا تريد أن تعرف»
كانت هيئتها الرشيقة على مستوى مختلف تمامًا مقارنة بعُمدتي قريتي بينغياو وها坦ان في وقت سابق
ابتسمت هوانغ يوتشو ابتسامة رقيقة
«حسنًا، لن أطيل وسأدخل في صلب الموضوع مباشرة يا مديرة هوانغ… عندما كنتِ مسؤولة عن دار رعاية شيني رقم 3، استقبلت داركم شقيقتين من قرية هانتان في شيشوان، صحيح» سأل تشن مو
ومن غير أن ينتبه، ما إن سمعت عبارة «شقيقتان من قرية هانتان في شيشوان» حتى زال عن وجه هوانغ يوتشو ذلك الابتسام الوقور الذي كانت تحافظ عليه
وحلّ مكانه تعبير غامض لا يوصف، مصحوب بلمحة ذنب وتأنيب ضمير
«أيها الضابط خه، لماذا تسأل عن هذا» بدل أن تجيب سؤال تشن مو مباشرة، ردّت بسؤال
«مديرة هوانغ، ليس مناسبًا الآن أن أبوح لكِ بالكثير. يكفي أن تقدّمي لي بعض المعلومات ذات الصلة من ذلك الوقت» قال تشن مو بابتسامة لينة
عند جواب تشن مو توقفت هوانغ يوتشو قليلًا
ثم تنفست بعمق زافرة تنهيدة فهمٍ واستسلام
«حين أذكر الشقيقتين، فهما الأكثر نقشًا في ذاكرتي، بسبب الذنب. ذنبُ أننا في دار الرعاية لم نقدّم ما يكفي من التوجيه بعد استقبالهما، وأن بعض العاملين حينها لم يوفّرو لهما العناية الكافية. وذنبٌ أكبر لأن إهمال دار الرعاية وتقصيرها جعلاهما لا تحظيان برعاية كما ينبغي، فهربتا سرًا خلال أقل من نصف عام من وصولهما»
كانت كلمات هوانغ يوتشو ثقيلة إلى حدّ بعيد، بدت صادقة نابعة من تأنيب ضمير حقيقي
«وماذا حدث بعد ذلك؟ هل بحثت دار الرعاية عنهما» سأل تشن مو
«بحثنا. بل ذهبتُ أنا شخصيًا نصف شهر أفتش. ورغم أن كثيرين قالوا إنهم رأوا الطفلتين، فإننا لم نستطع العثور عليهما قط. كانتا آنذاك 8 سنوات و6 سنوات. كيف لطفلتين صغيرتين كهاتين أن تعيشا تائهتين في الخارج»
وعلى وشك البكاء، لم تستطع أخيرًا كبح الدموع التي انهمرت
ولما رأى ذلك، تناول تشن مو بعض المناديل من العلبة على الطاولة وقدّمها لها
أخذت هوانغ يوتشو المناديل وشكرته، وكفّت نشيجها، وتابعت: «كلما فكرت في احتمال أن تكونا قد قابلتا أناسًا سيئين أو ما قد يكون جرى، لا أجرؤ على المضي في التفكير. خلال فترة هروب الشقيقتين، كنتُ أرى الكوابيس كل يوم. وكل مرة أستيقظ فيها، كان ينهال عليّ لومٌ لا ينتهي. لاحقًا حرّكتُ كل ما أستطيع من العلاقات حتى يعينني الناس على البحث عنهما، لكن بلا جدوى»
«طوال هذه السنين لم أستطع تجاوز تلك الحادثة، حتى إنني إلى الآن كثيرًا ما أحلم بالشقيقتين. ولا يزول العبء المعلّق على قلبي منذ أكثر من 10 سنوات إلا إذا علمت أن الشقيقتين تعيشان بخير الآن. لذا طلبت أيضًا من ابني، وهو شرطي في فرع شيني، أن يساعدني رجاءً في العثور عليهما»
رفعت هوانغ يوتشو يدها تمسح دموع زوايا عينيها
لكن ما إن سمع تشن مو أن ابنها شرطي حتى انتفض قلبه فجأة
تبًّا
لقد دخل «شرطيٌّ مزيّف» بيت «شرطيٍّ حقيقي»
على الفور خامر تشن مو شعور قوي بالمغادرة
لأنه متى ما عاد ابنها الشرطي من فرع شيني إلى البيت فسيُكشَف أمره على الأغلب
لا سبب آخر. فبحسب اللوائح، يتعيّن على رجال الشرطة، سواء في معالجة القضايا أو الزيارات المنزلية الروتينية، أن يكونوا شخصين فأكثر
وهذا وحده يصعّب عليه الاستمرار في التمويه. وإن شكّ الطرف المقابل فيه، فاحتمال ألّا ينكشف «تحقيقه المزيّف» سيكون ضئيلًا للغاية
ومهما بلغت صلابته النفسية ومهما تراكمت خبرته في التصرف، فلن تنفع أمام بطاقة تعريف شرطية مزيفة
«مديرة هوانغ، أمعكِ صورة للشقيقتين» سأل تشن مو بسرعة وقد قرر أصلًا أن يغادر بأسرع ما يمكن
«نعم، التقطنا صورًا للشقيقتين بعد دخولهما دار الرعاية، وحفظتُها طوال هذا الوقت»
ومن غير أن يزيد تشن مو في الكلام، نهضت هوانغ يوتشو سريعًا وعادت إلى غرفتها
وبنظرة غريزية قلِقة نحو الخارج من تشن مو، لحسن الحظ لم تُطِل هوانغ يوتشو الغياب
وعادت بالصورة سريعًا
كانت صورة للشقيقتين معًا
وعلى الرغم من أن أكثر من 10 سنوات قد مضت، فقد حفظتها هوانغ يوتشو جيدًا
«مديرة هوانغ، أحتاج أن ألتقط لها صورة» قال تشن مو بابتسامة متكلّفة
«حسنًا، تفضل يا ضابط خه، التقطها»
أخرج تشن مو هاتفه والتقط صورة للصورة على عجل
ثم، وهو عازم على المغادرة الآن، نهض وقال: «حسنًا يا مديرة هوانغ، نكتفي إلى هنا. إن كان لدينا ما نسأل عنه لاحقًا فسنتواصل معكِ»
«حسنًا حسنًا، أيها الضابط خه، دوّن رقم هاتفي من فضلك. إذا عثرتُم على الشقيقتين، أرجوك أخبرني، حتى يزول العبء المعلّق على قلبي منذ أكثر من 10 سنوات» قالت هوانغ يوتشو وهي تقف بسرعة كذلك
«حسنًا، تفضّلي برقم هاتفكِ»
ومهما كان ضيقه من إضاعة مزيد من الوقت، لم يسعه إلا أن يتأخر قليلًا من أجلها
وبعد أن دوّن رقم هاتفها، غادر سريعًا من غير إبطاء
وبينما كان تشن مو يقود مبتعدًا على عجل، لم يبتعد كثيرًا حتى رأى رجلٌ بزيّ شرطة في سيارة كانت تفسح الطريق للمشاة تشن مو يخرج من البوابة الرئيسية لحديقة يوانفِنج، فلم يستطع إلا أن يقطّب حاجبيه
لماذا يدخل شرطي ويخرج من حديقة يوانفِنج؟ ما الذي حدث
ملاحظة: شكرًا لـ «أو هوانغ وانسوي» على «شاي الحليب بوبو»، وشكرًا لـ «خه جيو قو» على «الدعم بالمحبة»، وشكرًا لـ «لين دونغ الذي يحب أكل ليانغ تشوي تسي غِنج» على «الدعم بالمحبة»
شكرًا لكم جميعًا