المطاردة الكبرى في المدينة لستُ مجرمًا حقًا! - الفصل 26: عديم فائدة آخر
«مينغيويه، هل يملك زميلك في الثانوية حقًا قدرات كهذه»
نظر الخبير في التحقيقات الجنائية شو هوالين إلى الصورتين اللتين بلغ التشابه بينهما 80 إلى 90 بالمئة، وازدادت عقدة جبينه إحكامًا، ثم التفت لينظر إلى غاو مينغيويه
كانت حاجبا غاو مينغيويه الرقيقان معقودين بإحكام أيضًا
لأنها لم تسمع قط أن تشن مو يمتلك مهارة كهذه
هزّت غاو مينغيويه رأسها وقالت: «خلال الجامعة وبعد التخرج التقيته مرات في تجمعات، لكني لم أرَه يضع أي مكياج قط، ولم أسمع يومًا أنه يملك مهارات تجميل متعمقة كهذه»
أخذ شو هوالين يتأمل مفكرًا
ثم بدأ يطرح رأيه
«إن كانت حالات التنكر والتجميل وتغيير الملامح السابقة لا تستبعد احتمال وجود من يساعده، فبناءً على مظهره قبل الدخول إلى منزل المحقق وبعده يمكن الجزم بلا شك بأنه يمتلك تقنيات تجميل متقنة للغاية، ومع قدرته على تغيير مظهره بحرية، مقترنة بوعيٍ عالٍ بمضادّة الاستقصاء كما أظهر، فإن احتمال الاعتماد على المراقبة لتعقبه والقبض عليه بات ضئيلًا جدًا»
«ومتى استحال تثبيته والقبض عليه بالاعتماد على المظهر، فلن يبقى سوى البصمات والدي إن إيه لتحديد هويته، لكن بما أن الطرف الآخر قادر على التنكر وتغيير ملامحه، فإن جمع بصمات وعينات حيوية من سكان المدينة بأكملهم للمقارنة لن يكون ذا جدوى كبيرة، فضلًا عن أن جمع بصمات وعينات السكان كافة أمر غير واقعي أصلًا»
«وبما أن الأمر كذلك، فعلينا تغيير طريقة التفكير من الجذور، أي: لماذا تخلّى عن فرصة مغادرة يانغتشنغ؟ لماذا بقي في يانغتشنغ ليستفز الشرطة؟ هل يظن فعلًا أنه قادر على اللعب بالشرطة بإتقان من دون أن يفضح نفسه؟ أم أنه يبقى في يانغتشنغ ليبرئ اسمه؟ ليبرئ نفسه من شبهة كونه الجاني في قضية 6.21»
«أي مجرم، بل أي إنسان عمومًا، لديه دافع لكل ما يفعل، لذا يجب أن نعرف أولًا ما دافعه للبقاء في يانغتشنغ»
ما إن أنهى شو هوالين كلامه
حتى قال أحد قادة مكتب الأمن العام في يانغتشنغ على الفور: «أستاذ شو، هل من احتمال… أنه لا يريد مغادرة يانغتشنغ؟ بل لا يستطيع مغادرتها؟ فحاليًا تُجري جميع منافذ الدخول والخروج الكبيرة والصغيرة في يانغتشنغ حواجز وتفتيشات، ومن لا يستطيع إبراز بطاقة هوية، أو لا يطابق مظهره بطاقته، أو إن كانت البطاقة مزيفة، أو حتى إن شمّت كلاب الشرطة رائحة مريبة، فسيُقتاد فورًا إلى مكتب الأمن العام لمزيد من الفحص، وتحت هذه الشبكة الواسعة لن يكون خروجه من يانغتشنغ سهلًا قطعًا»
«استنادًا إلى كل ما أظهره، هل تظن أن حصوله على بطاقة هوية إن أراد سيكون صعبًا؟ وإن حصل على بطاقة ثم تنكّر وفق الصورة في البطاقة، فهل تشكل حواجز الشرطة خطرًا في أن يُقبض عليه؟ فمع حواجز بهذا الحجم، أقصى ما تستطيع الشرطة فعله هو التحقق من الهوية وتفتيش المركبات، ومن المستحيل تمامًا إجراء استجوابات أعمق، أليس كذلك؟ بالطبع قد تنفع كلاب الشرطة، لكني قرأت روايته التي كتبها ــ «أنا حقًا لست مجرمًا» ــ وبناءً على ما ورد فيها من أمور شتى، أعتقد شخصيًا أنه ينبغي أن تكون لديه طريقة للإفلات من حاسة شم كلاب الشرطة»
عند سماع كلمات شو هوالين
عقد قائد مكتب الأمن العام حاجبيه وصمت
«إذًا يعود الأمر إلى النقطة نفسها: للقبض عليه يجب أن نتنبأ بخطواته المقبلة، فلا بد من تحديد ما ينوي فعله لاحقًا لنضع اتجاهًا فعالًا للمطاردة، وإلا فمع مهاراته الفائقة في التجميل سنظل نلهث خلفه كذبابة مقطوعة الرأس»
تابع شو هوالين: «والآن لدينا اتجاه واحد أمامنا، وهو قضية 6.21، سواء تكراره في الرواية أنه بريء ومظلوم، أو تنكره في هيئة محقق ليدخل مكتب الأمن العام ويسرق ملفات قضية 6.21، فكل تلك الإشارات تدل على أنه يريد التحقيق في قضية 6.21 بنفسه ليبرئ اسمه، وهذه هي أفضل، بل الوحيدة حاليًا، جهة يمكن أن نسلكها لمطاردته»
لكن ما إن ذُكرت «قضية 6.21»
حتى تعذّر على كثير من المحققين الجلوس بهدوء
وكان نائب المدير لي هونغوي على وجه الخصوص كذلك
فتكلم فورًا بيقين وحزم: «أستاذ شو، أرى أن هذه كلها قنابل دخانية أطلقها، فالجاني الحقيقي في قضية 6.21 هو هو، لا غيره، إنها قضية دامغة بأدلة قاطعة، ولا احتمال لكونه مظلومًا»
«وبالحديث عن قضية 6.21، هل يمكنكم تزويدنا بملفات القضية لنطّلع عليها»
تجاهل شو هوالين كلام لي هونغوي، وهز رأسه قليلًا وابتسم ابتسامة خفيفة
«نعم»
ضغط تشو شون على أسنانه، ثم رمق نائب المدير لي هونغوي بنظرة، وأجاب
«إذًا نَكِل الأمر إلى قائد الفريق تشو»
… وبعد قليل
أُحضرت ملفات «قضية 6.21» المقفلة من درج المكتب على يد تشو شون
ومن دون أن يُطلب من الحاضرين المغادرة
بدأ شو هوالين وغاو مينغيويه يتصفحانها
ولم يمض وقت طويل
حتى انعقد جبيناهما تباعًا
فانقبضت قلوب المحققين وقادة مكتب الأمن العام في يانغتشنغ، ولا سيما لي هونغوي
وكان الأمر جليًا
فإن كانت «قضية 6.21» قد شهدت فعلًا اعتقال الشخص الخطأ، وإن كانت فعلًا ظلمًا نتج عن تعذيب وانتزاع اعتراف
فمع هروب تشن مو من السجن، والأثر الهائل الذي أحدثته رواية «أنا حقًا لست مجرمًا» بعد استئناف تسلسلها وتفصيلها لتجارب هروبه، ستكون العواقب عليهم كارثية
وبعد فترة غير معلومة
وفي سكون مميت يمكن سماع سقوط دبوس فيه
وكان كل من في المكان غارقًا في أفكاره
تحدثت غاو مينغيويه التي راجعت الملف كاملًا بسرعة وبصورة عامة
وتكلمت قبل الأستاذ شو هوالين
«مقارنة البصمات، ونتائج تحديد الهوية عبر عينات حيوية متروكة، مقترنة بحقيقة أن المنظار في غرفة دراسة الطرف الآخر كان موجّهًا مباشرة نحو مسرح الجريمة، إضافة إلى المشاهدات والتعرف إلى شخص قبل الحادث وبعده، فضلًا عن عجز الطرف الآخر التام عن تقديم أي ذريعة غياب ــ كلها… كافية للإدانة، أما الدافع، أي عدم الاكتفاء بتخييل القضايا في الروايات والرغبة في صنع جريمة كاملة عالية الذكاء في الواقع، فمن منظور علم نفس الجريمة ينسجم أيضًا مع الدافع»
عند سماع ما قالته غاو مينغيويه
ارتخى قلب نائب المدير لي هونغوي من تلقائه
وكذلك المحققون لم يكونوا استثناء
وحده المخضرم لين قودونغ شعر بخيبة أمل وهز رأسه خفية
«واحد عديم الفائدة آخر»
«وبناءً على ذلك، هل يمكننا استبعاد الاحتمال الذي ذكره الأستاذ شو للتو» سأل نائب المدير لي هونغوي على الفور
لكن غاو مينغيويه بقيت غير جازمة
وقالت ببطء: «لا نتعجل في استبعاد ذلك الاحتمال، فهناك أمثلة على اضطراب الهوية التفارقي بين المجرمين، فإذا كان الطرف الآخر مصابًا باضطراب الهوية التفارقي، فسيكون منطقيًا أنه ادعى في روايته أنه أُجبر على الاعتراف، ولماذا أراد سرقة الملفات محاولًا تبرئة اسمه، لأنه في لا وعيه لا يعتقد أنه ارتكب الجريمة، حتى لو كان قد نفّذ هذه القضية فعلًا، وقد سُجلت حالات مماثلة لدى مجرمين مصابين باضطراب الهوية التفارقي»