الانحدار المطلق - الفصل 86

تقدّم الأصغر من الرجلين أولًا، مطويًا يديه في تحية مهذّبة.

“أنا سوتاي من شانشي. لطالما أعجبتُ بطائفة الشياطين السماوية الإلهية، وبمحض الصدفة أُتيحت لي الفرصة لألتقي بشيطان دمار. هذا الرجل هنا معلّمي.”

تبعه الرجل المسن بانحناءة رسمية وقال:

“أنا جونغ ماك من شانشي. إنه لشرف عظيم أن ألتقي بأبطال طائفة الشياطين السماوية الإلهية.”

لكن في الحقيقة، لم يعش في شانشي قط معلم وتلميذ يُدعَيان سوتاي وجونغ ماك. لم يوجدا يومًا، ولن يوجدا أبدًا.

هويّتهما الحقيقية تعود إلى التوأم الغريب من يونان، المعروفَين بالوحوش عديمة الوجه.

خبيران في فنون التنكّر، بارعان في تقمّص الأعمار والهيئات بمهارة مطلقة. تارةً يظهران كرجلين نحيلين، وتارةً كرجلين بدينين، أو كتجّار، أو رهبان، بل حتى كامرأتين.

في الواقع، الشاب الذي قدّم التحية أولًا، المعروف بينهما باسم إلغوي، كان أكبر سنًّا من أخيه إغوي، المتنكّر في هيئة شيخ وقور.

اعتمدا التنكّر وسيلة لارتكاب جرائم لا حصر لها؛ ينهبان ثروات التجّار، ويقتلان الغرباء لمجرّد أن مظهرهم لم يعجبهما. شهوتهما لا تعرف حدًّا، يغتصبان كل امرأة جميلة تقع تحت أبصارهما، ويقتلان كل من يقف في طريقهما.

أعلن التحالف القتالي أنّهما عدوّان عامّان لعالم فنون القتال، لكنهما أفلتَا دومًا من قبضة العدالة.

فإلى جانب مهاراتهما القتالية الهائلة، منحتهما براعة التنكّر قدرة على الإفلات من الملاحقة، حتى شاع قول مرير: السماء ليست غير مبالية… بل ميتة بالفعل. وذاك القول انتشر بسببهما.

والأهم من ذلك أنّ هذين الوغدين دمّرا حياتي في الماضي.

تقدّم إلغوي، المتنكّر في زيّ الشاب، وتحدّث بثقة:

“سيكون شرفًا لعائلتنا إن تكرّم السيد الشاب الثاني وعلّمني درسًا.”

ما قدّر أن يحدث، سيحدث.

ففي حياتي السابقة، قبل انحداري، وقع هذا الحدث بعينه، في التوقيت نفسه تقريبًا.

كنت آنذاك أحمقَ الحمقى، وغبيًّا حتى النخاع. لماذا قبلت المبارزة؟

آنذاك لم يكن الأمر في هذا المكان، بل في مناسبة مختلفة، حين بارزت ذلك الرجل. يومها جاءا برفقة ما بول، وقدّم بوذا الشيطاني التوأم الغريب في مأدبة حضرها كبار فناني الطائفة. لقد رتّب الأمر حينها بحيث لا أستطيع الرفض.

كان بارعًا في اللعب على نفسيتي. بدلًا من أن يطلب مني مباشرة تعليم الرجل درسًا، وجّه اللوم إلى إلغوي:

“بماذا تفكّر؟ تتحدّى رجلاً ذا مقام في مبارزة؟ هذا ليس مكانك. وإن أخطأت وتسبّبت بأذى للسيد الشاب الثاني، فلن تنجو بحياتك.”

هكذا تحدث حينها، تمامًا كما يفعل الآن.

وكما أنّ عبارة ‘هل تجرؤ أن تقلبها؟’ أوقع أثرًا من ‘اقلبها كرجل!’، انجرفت آنذاك خلف استفزازه الضحل. كنت في العشرين، مسكونًا بهوس آراء الآخرين، يائسًا لاستعادة هيبتي بعد هزيمتي على يد غو بيونغهو في مناوشة الشياطين الجدد. وهكذا سقطت في الفخ.

والنتيجة كانت كارثية.

انكسرت ذراعي، وتشققت أضلعي، وانتفخ وجهي حتى لم أجرؤ على الظهور فترة طويلة. لم يكن الألم الجسدي هو المصيبة، بل إذلال الهزيمة أمام شخص في عمري. كرهت نفسي لانجراري الساذج إلى الاستفزاز. خاب أمل والدي، وخيّبت رجال طائفتنا. يومها، بعد أن ضُربت وأُهنت على يد غريب، انهارت سلطتي واحترامي.

هرب الوحشان عديمَا الوجه في اليوم نفسه، دون أن نكشف هويّتهما.

واليوم، ها هما يقفان أمامي مجددًا. كيف لي ألا أرتجف حماسًا وقد تبعا بوذا الشيطاني إلى مسكني؟

قلت بهدوء:

“بالطبع، ليس من الحكمة أن يتعرّض هذا الجسد الثمين لإصابة. الخبراء الجدد مخيفون بحق في هذه الأيام.”

تلك طريقة سهلة لتفادي الموقف، لكنني لم أعُد أنوي التصرف كذلك.

“غير أنّ رفض طلب صادق كهذا سيكون قلّة أدب، أليس كذلك؟”

كنت فضوليًّا: هل يعلم أخي أي صنف من الرجال هؤلاء الذين يلازمون بوذا الشيطاني؟ إن كان يعلم أو يجهل، فالأمر خطير على كل حال.

ابتسم إلغوي وقال:

“شكرًا لقبولك المبارزة. حقًا أنت على قدر السمعة التي سبقتك، السيد الشاب الثاني.”

أجبته بابتسامة باردة:

“أنت تثقلني بالمديح منذ لحظة. قل لي، هل سمعت فعلًا شيئًا عن سمعتي؟ إن كنت تعرف أي شيء فعلته مؤخرًا، فاذكره.”

ارتبك إلغوي من سؤالي المباغت، وتلعثم:

“ذاكرتي ضعيفة… لست متعلّمًا، وأفتقر إلى الآداب. آمل أن تتفهم ذلك، السيد الشاب الثاني.”

“كما توقّعت. منذ اللحظة الأولى تحدّيتني دون معرفة من أنا أو ما أقدر عليه، فثبت أنك تفتقر إلى الأدب. واستفزازك لي بلا وعي بمهاراتي أو شخصيتي يبرهن أنك لست ذكيًّا. لكن على الأقل تُدرك نقصك.”

تجمّدت ملامح التوأم الغريب، وكظما حقدًا بالكاد استطاعا كبته.

قال إلغوي:

“بما أنني لست ذكيًا… فلنُسعد الأجساد إذن، أيها السيد الشاب الثاني.”

“فلنبدأ.”

خرجنا إلى الفناء، ووقفنا متقابلين. تبعنا من كانوا بالداخل.

“هل ستستخدم أسلوب القبضات والراحات؟”

“صحيح.”

“سأستخدم السيف، فانتبه ألا يبتر نصلي يديك.”

“بل عليك أن تحذر، فقد تضطر مستقبلًا لاستخدام سيفك بيدك اليسرى وحدها.”

حاول شدّ التوتر بنظراته الحادّة، لكن غو تشيون با قاطعه قائلًا وهو يبتعد:

“سأنصرف. مع تقدّم العمر أحتاج إلى نوم أوفر.”

ثم قالت سيدة السيف ذو الضربة الواحدة:

“وأنا أيضًا

أغادر. قلّة النوم تفسد بشرتي.”

انحنى لهما غوم مويانغ باحترام وقال:

“تفضّلا. سأزوركما على حدة لاحقًا.”

طرح بوذا الشيطاني السؤال بدلًا من أخي:

“ألست قلقًا على السيد الشاب الثاني؟”

أجاب العجوز دون أن يلتفت:

“قلق؟ هراء.”

ثم غادرت السيدة خلفه، متفقة معه في الموقف. كلاهما آثر النأي بنفسه عن أي حديث أو شبهة مشاركة في هذه المبارزة.

والمفاجئ أنّ جانغو أيضًا حاول الانسحاب:

“لدي بعض الأمور العاجلة، لذا سأنصرف بدوري.”

نظرتُ إلى لي آن وسألتها:

“ألست مغادرة؟”

“بلى. التدريب ينتظرني.”

“حتى إن غادر الجميع، عليك أن تبقي لتظهري اهتمامًا على الأقل.”

ابتسمت بخفة وقالت:

“لقد تغيّرت، بفضل من يلحّ عليّ دائمًا بأن أتبع قلبي.”

ثم خاطبت سو داريونغ:

“ألست ذاهبًا أيضًا؟”

“سأبقى لأشاهد. قد ينفعني ذلك في تدريبي.”

لكن غو تشيون با صرخ من بعيد:

“لا فائدة لك في المشاهدة. اذهب للنوم.”

أطاع سو داريونغ مبتسمًا:

“كما يقول معلمي… لديه أذنان لا تخطئان.”

ثم غادر أيضا. تبعه جونغ داي متمتمًا:

“لو بقيت بعد مغادرة الجميع سأبدو فارغًا.”

واحدًا تلو الآخر انسحبوا جميعًا، تاركيني وحدي مع غو وول.

تنهدتُ:

“أنتم كُثُر فعلًا!”

لكن لم يلتفت أحد.

أدركت أن انسحابهم لم يكن استخفافًا، بل إظهارًا لاحترامهم لي، وثقةً في أنني أستطيع تدبير الأمر. لقد أبدوا ولاءهم في صورة الانصراف.

لم يبقَ سوى غو وول.

“أنت فعلًا تابعي المخلص.”

قال مبتسمًا:

“كنت سأدخل لأنام، لا أحب مشاهدة القتال.”

“لا بأس، يجب أن يبقى أحد.”

“فليكن سريعًا إذن.”

“سأجعلها كذلك.”

عندها، تقدم إلغوي وقال:

“المتفرجون غادروا، لكن قبضتي ما زالت تحتفظ بقوّتها. فلنبدأ.”

لم يكن يخشى شيئًا قدر أن تُلغى المبارزة.

لا تقلق أيها الوغد.

“لقد انتظرت هذه المعركة طويلًا.”

انتظرت أطول مما قد تتخيل.

هذه المبارزة ليست للانتقام فقط، بل لعقابكما على الشرور التي لا تُغتفر.

هؤلاء الذين يبدّلون وجوههم ويذوبون بين الناس كالأشباح، يتسلّون بدماء الآخرين بينما يحفظون حياتهم كالكنز، ويعيشون حتى يشيخوا، هم الشر المطلق.

ولم يكن غريبًا أن يرسلهم القدر في طريقي هذه الليلة.

صرخ إلغوي:

“لن أرحمك لمجرد أنك السيد الشاب الثاني. فاستعد!”

اندفع بضربة عنيفة منذ اللحظة الأولى، بلا هوادة.

لكنني تفاديتُ قبضته وأمسكت برسغه كمن يلتقط غصنًا هشًّا. صُدم ولم يتوقّع أن أتمكّن منه بهذه السهولة. حاول أن يفلت، لكن قبضتي ثبتت عليه كالقيد. وفي اللحظة نفسها، ومضة برق خاطفة لمعَت من نصلي.

صوووش!

ضربة واحدة، واندحر رسغه إلى الأرض.

“آآآه!”

ارتفع صراخه وهو يحاول غريزيًّا سدّ نزيفه. لكن سيفي سبق حركته.

صوووش!

وانفصل رسغه الآخر.

“آآآآآه!”

صرخ يلوّح بيديه المبتورتين، فاندفعت الدماء كنافورة، تلطّخ الفناء بمطر دموي. لم أتجنّب رذاذه، ولا أخي. وسط المطر الأحمر، تبادلنا النظرات، ثابتين.

في تلك اللحظة، باغتني إغوي بهجوم خاطف على ظهري. لكن قبل أن أتحرّك، رأيت أخي يشهر سيفه.

سلااااش!

انطلقت طاقة سيفه عاصفةً، مرّت بجانبي دون أن تلمسني، وشطرت جسد إغوي نصفين.

تحوّل المكان في لحظة إلى بحر دم.

التفتُّ إلى بوذا الشيطاني وقلت:

“ماذا كنت تتوقّع؟”

سؤالي حمل أكثر من معنى. لكن بوذا الشيطاني، بعينين ذهبيّتين متألّقتين، أجاب أخي لا أنا:

“أردت أن أُري أخاك الحقيقة. أن أُريه أنّ خصمه قادر على القضاء على التوأم الغريب بضربة واحدة. أردت أن أُريه أن هذا هو الواقع الذي يواجه، ومعه سيف الشيطان الأسود، الذي لم يمنحه زعيم الطائفة قط.”

نظرت إلى غوم مويانغ. كان الدم يسيل على وجهه مثل وجهي. سألني بصوت هادئ:

“هل أصابك مكروه؟”

“بفضلك، لم يُصبني سوء.”

ابتسم وقال:

“يسرّني أنّ فنونك القتالية تحسّنت. هذا جيّد لطائفتنا.”

“لكن تمثيلك كان أفضل من فنوني.”

رفع حاجبه:

“ما قصدك؟”

“أنت لست ممن يرافقون أيًّا كان.”

رد بهدوء:

“إن سألتني أتعلم أنهما الوحوش عديمة الوجه، فلا علم لي قبل الآن. لنلتقِ غدًا صباحًا حين نحيّي والدي.”

ثم غادر مع بوذا الشيطاني، محتفظًا ببروده حتى في هذا المشهد. أدركتُ يومها السبب الذي جعل غو تشيون با يقف إلى جانبه في الماضي.

أما أنا، فتقدّمت نحو جثث التوأم، غير عابئ بإضفاء قيمة على موتهما. مثل هؤلاء لا يستحقون حتى كلمة أخيرة. قتلهم كالحشرات هو أنسب عقاب.

بتفتيش ملابسهما، وجدت سندات مالية؛ مئة ألف نيانغ لكل منهما.

ضحكت ساخرًا:

“فقط مئتا ألف نيانغ لضرب السيد الشاب الثاني من طائفة الشياطين السماوية الإلهية.”

ناولتها لغو وول وقلت:

“استخدمها فيما تعمل عليه. أتظن هذا المال الملطخ أنسب لمثلي منك؟”

ابتسم قائلًا:

“المال بلا هوية. قيمته فيما يُستخدم لأجله.”

أجبته بإعجاب:

“لا تجعلني أندم قط. لهذا سعيت لإحضارك.”

“سأتكفّل بالجثث. ادخل واغسل دماءك.”

رفعت بصري إلى السماء، وتمتمت:

“مع عودة أخي، كأن مطرًا دمويًّا ينهمر من السماء المحترقة.”