الانحدار المطلق - الفصل 85

مضى شهران على مبارزتي مع والدي.

وخلال تلك الفترة، ارتقيت إلى النجمة الحادية عشرة في فن السيف الشاهق. بفضل الرؤى التي اكتسبتها من تلك المبارزة، ومن لقائي بسيدة السيف ذو الضربة الواحدة، تمكّنت من شق الطريق إلى المستوى التالي.

لم يتبقَّ سوى خطوة واحدة.

خطوة أخيرة، تحتاج إلى محفّز كما كان الأمر مع كل المراحل السابقة.

قد يكون هذا المحفّز في مبارزة أخرى، أو معركة حقيقية، أو حتى مراقبة الأزهار برفقة سيدة السيف ذو الضربة الواحدة، أو قراءة ديوان شعر إلى جوار شيطان نصل السماء الدموي، أو ربما نزهة تحت ضوء القمر مع لي آن. ذلك أن عالم الاثني عشر نجما لا يقوم على التدرّب بقدر ما يقوم على التنوير، ولهذا يظلّ عصيّ التوقّع.

تركت إتمام فن السيف الشاهق ليوم آخر، ووجهت جل تركيزي إلى تقنية التنقل الزمكاني.

في مسار فنون القتال، تحلّ لحظة مميزة، حين يشتعل الجسد كله بتلك الرغبة الملحّة، يهمس داخلك: ‘قليل أكثر فقط’. تلك اللحظة تحديدًا هي المفتاح للعبور إلى المرحلة التالية.

وقد كانت تقنية التنقل الزمكاني توقظ تلك الرغبة مرارًا.

قبل عشرة أيام تقريبًا، استطعت تقليص الوقت اللازم لتفعيل المكان حتى بلغ مئة ثانية. ومن بعدها أخذت القيود تتهاوى، وتناقص الزمن مع كل استخدام متواصل للتقنية.

الانسجام بين المقاتل وفنونه القتالية قد يكون سرًّا للارتقاء، وأنا وهذه التقنية كنا في تناغم تام.

ربما لأن جوهرها لا يقوم على طول فترة التدريب، بل على عمق الفهم ونقاء الموهبة. وفي هذين الجانبين كنت قد بلغت القمة تقريبًا.

واصلت التدرّب بلا كلل، والوقت يتقلّص من مئة إلى تسعة وتسعين، ثمانية وتسعين، سبعة وتسعين…

لم أتوقف، بل اندفعت بجنون، كمن يقود عربة جامحة تهوي نحو مصير مجهول. كان القلق يوشك أن يلتهمني: ماذا لو انحرفت العربة عن الطريق وسقطت من فوق جرف؟ ومع ذلك، لم أتراجع. مضيت في صقل مهاراتي بلا هوادة.

تدريب، ثم تدريب، ثم تدريب آخر.

حتى وصلت العربة إلى وجهتها الأخيرة، وبقي الحصان صامدًا، ولم أتساقط من فوقها.

بفرقعة أصابعي، تغيّر محيطي، وفي اللحظة ذاتها انفجر صوتي هاتفا:

“نجحت!”

أصبحت قادرًا الآن على تفعيل تقنية التنقل الزمكاني فورًا، متجلية بطبيعية تامة كما لو كانت جزءً من جسدي منذ الأزل.

وقفت على شاطئ أبيض ناصع، يمتد أمامه بحر أزرق لا نهاية له. سماء صافية، شمس لاهبة، وأشجار بأوراق عريضة تظلّل مقاعد مريحة. طيور النورس تحلّق بعيدًا فوق الموج.

ذلك المكان كان حلمًا حيًّا.

مثاليًا بكل تفاصيله.

وكلما قلّ الوقت اللازم لإنشائه، قلّت الطاقة الداخلية المطلوبة للحفاظ عليه.

تمدّدت على أحد المقاعد براحة تامة، ثم خلعت ثيابي وقفزت في البحر. سبحت طويلًا، ثم استلقيت على ظهري أراقب الغيوم تنجرف ببطء فوق السماء. شعرت بسلام عميق يملأ روحي.

وقت مثالي، وهدوء نقي، ولحظة تخصني وحدي.

ثم خطرت لي فكرة…

ماذا لو جرى الزمن في هذا المكان أبطأ من خارجه؟ ماذا لو تمكّنت من التدريب هنا؟ حتى إن لم أستطع إيقاف الزمن تمامًا، ألن يكفي أن أجعله يتباطأ للنصف؟

قد يبدو حلمًا بعيدًا، لكن… ألم يكن خلق هذا المكان حلمًا تحقق بالفعل؟

راودتني الرغبة في طرح هذه الفكرة على زعيم طائفة الرياح السماوية عند عودته. ومع ذلك، على الأرجح سيرفضها باعتبارها هراءً.

ظللت مستلقيًا على الشاطئ أستمتع بحريتي، إلى أن شعرت بأحدهم يصل إلى خارج حدود التقنية.

عندما دخلت من قبل إلى الأماكن التي أنشأها شيطان حاصد الأرواح أو زعيم طائفة الرياح السماوية، لم أكن أشعر بالعالم الخارجي قط. لكن بما أنني أنا من نسجت هذا المكان، فقد استطعت أن أعي ما يجري خارجه.

ألغيت التقنية على الفور وخرجت.

“السيد الشاب، هل أنت هنا؟”

كان الصوت صوت جانغو.

“أنا هنا.”

ظهر الذعر على وجهه حين لمحت نفسي فجأة خلفه.

“السيد الشاب؟ أين كنت؟”

ترددت أن أجيبه: على شاطئٍ تغمره الأمواج الزرقاء، لكنني تمالكت نفسي وقلت:

“كنت أتدرّب على تقنيات الإخفاء. لكن ما الذي أتى بك؟”

“وصلتنا رسالة من ورشة الحدادة. لقد أتمّوا ما طلبناه من أدوات مصنوعة بالحديد البارد ذي الألف عام.”

“حسنًا. اذهب وأحضرها، ثم اجمع كل من حضر معنا ذلك اليوم.”

“مفهوم.”

اصطف سبعة أشخاص في دائرة يحيطون بالشيء الموضوع على الطاولة.

كنت بينهم، ومعي لي آن، سو داريونغ، جانغو، شيطان نصل السماء الدموي، سيدة السيف ذو الضربة الواحدة، وغو وول.

مددت يدي أولًا إلى المروحة، التقطتها، ثم ناولتها لغو وول.

“هذه هي المروحة التي طلبتها. لقد تأكدت من صنعها، والعمل متقن.”

“ممتن لك.”

“المادة ثمينة، لكن الأثمن أنها خرجت من يد أفضل حرفيّ في طائفتنا.”

“لم أظن أنك ستصنعها حقًا.”

ثم ناولته خنجرًا كذلك، فقد صيغت الخناجر خصيصًا بعدد من حضروا ذلك اليوم. بدا غو وول مترددًا وهو يستلم المروحة والخنجر معًا.

“أنال شيئين دفعة واحدة…”

“في الأصل، لم تكن هذه الخناجر لتُصنع لولاك. في الحقيقة، أنت الذي تهديها للجميع.”

“لا، هذه الأغلال لم تُفك إلا بفضلك، السيد الشاب. شكراً لك. لن أنسى هذه المنحة ما حييت.”

كانت هدية عظيمة حقًا.

خناجر الحديد البارد سلاح لا يُقدّر بثمن: حدّة لا تُضاهى، وصلابة لا تُكسر. لو بيعت بقيمتها، لكفت ثروتها أجيالًا.

لكن تلك لم تكن آخر هدية أعددتها له.

فككت خيطًا من دودة القز السماوية الأسمى المربوط بمقبض سيف الشيطان الأسود. قطعت منه ما يكفي ليُستكمل به صنع المروحة، ثم ناولته لغو وول.

“هذا خيط من دودة القز السماوية الأسمى، أجود ما يوجد. اربطه بمروحتك، وستغدو سلاحًا فريدًا.”

ارتجفت عينا غو وول بالعاطفة، فاستلام ثلاث هدايا ك

هذه يكاد لا يحدث في العمر كله.

“سأرد هذا الدين حتى وإن كلّفني حياتي.”

“لا حاجة لذلك. لم أمنحك هذه لأجل ولاء مستقبلي، بل لأني أراك جديرًا بها الآن.”

ورغم أنني وجهت الحديث لغو وول، فقد قصدت به الجميع.

وزعت بقية الخناجر عليهم.

“أشكر وقوفكم إلى جانبي.”

“ممتن لك.”

“سأستخدمها بحذر.”

“شكرًا.”

تلقّاها الجميع بفرح ظاهر.

لكن سو داريونغ نظر إلى خنجره وقال بقلق:

“أخشى أن أضيّعه…”

“زد من جهدك في التدريب، فكلما قويت مهارتك قل احتمال فقدانه. وإن استعصى عليك الطريق، يكفي أن تتأمل هذا الخنجر.”

“مفهوم!”

أومأ بقوة، وكأن عزيمته اشتعلت أكثر.

لكن غو تشيون با لم يفوّت الفرصة لافتعال شجار مع غو وول:

“تخشى على هذا العالم بجسدك الهزيل هذا؟ ممّ تقلق؟”

حينها دوى صوت آخر عند الباب:

“ألستَ أنت من يتبعك تلميذ أكثر هزالًا منه؟”

كان القادم هو الزعيم السابق لطائفة الرياح السماوية.

نظرت إليه بدهشة:

“عدت بالفعل؟”

لقد عاد أسرع مما توقعت، فقد ظننت أن الأمر سيستغرق نصف عام آخر على الأقل.

“أنت دائمًا متعجّل.”

ابتسم وهو يوجّه نظره إلى غو وول، فتنفّس الأخير الصعداء.

ثم قال الزعيم السابق:

“يبدو أنني جئت في الوقت المناسب لأستلم خنجري بدوري.”

“قبل ذلك، ماذا نسمّيك من الآن فصاعدًا؟”

“اسمي… جونغ داي.”

علّقت بدهشة:

“لم أظن أن سيد الأراضي القاحلة يحمل اسمًا عاديًا هكذا…”

“اصمت.”

أخذ الخنجر، تأمله مليًا، ثم قال:

“مصنوع بإتقان، بل يمكن أن يُعد أثرًا مقدسًا. أشكرك لتأمينه لي أيضًا.”

“بل أشكرك أنت، صديقي العزيز. فلولا أنك حررت الأغلال لما أمكن ذلك.”

رحّبت بعودته بكلمات طيبة. لكن القدر لم يُجهز حضوره وحده في هذا اليوم…

إذ فُتح الباب من جديد، ودخل رجل طويل، وسيم، يرتدي رداءً أبيض تتخلله زخارف أنيقة. كان أخي الأكبر، السيد الشاب الأول، غوم مويانغ.

انعقدت الأنظار كلها عليه، وكان يرافقه ثلاثة: ما بول، ورجل مسن، وشاب.

حين وقع بصره عليّ، ابتسم، فتح ذراعيه، وخطا نحوي قائلًا:

“أخي، كيف حالك؟”

نعم، هذا هو أخي… الواثق دومًا، المتألق بثقة تعادل غروره.

“بخير. لقد مضى وقت طويل، يا أخي.”

عانقته بحرارة لم يتوقعها، ولن يعرف أبدًا ما كان يجول في خاطري في تلك اللحظة.

‘أرجوك، يا أخي… لا تجعلني أندم يومًا على عناق جثتك. لا تتبع مسار عمي.’

كنت أعلم أن غو وول يرى النتيجة معلقة بأخي، لكنني أيقنت أنها هذه المرة معلّقة بي أنا.

‘سأبذل جهدي… ليس من أجلك، بل من أجلي.’

وبينما بدت ملامح الفضول في عينيه تستكشف تغيّري، قال:

“سمعت أنك صنعت لنفسك اسمًا في غيابي؟”

“في الوادي بلا نمر، يحكم الثعلب كملك.”

“لكن حين يعود النمر، فالثعلب لا يعود ملكًا. لا حاجة للتواضع أمامي.”

بالنسبة للآخرين، بدا أخي الأكبر محبًّا عطوفًا، لكنني كنت أعرف الحقيقة. ففي حياتي السابقة، لم يفعل شيئا سوى تعذيبي تحت غطاء الحنان.

قصّ عليّ منذ الصغر حكايات عن محاربين يقتلون بعضهم، وعن شياطين داخلية تمزّق العقول، وعن شياطين الدمار الذين خانوا الشيطان السماوي. كلها قصص قاتمة، كأنها سُمّ يقطر في أذني طفل صغير.

وحين سعيت لفتح مسارات رين ودو، ترددت في قلبي كوابيس عن انفجار أوردتي وموت محقق. تغلبت عليها بصلابتي، لكنها تركت في داخلي أثرًا لم يمحَ.

ذلك لم يكن شيئًا يُفعل بطفل في السادسة أو السابعة، يا أخي…

حينها تدخل بوذا الشيطاني وقال:

“السيد الشاب الثاني… الآن وقد عاد السيد الشاب الأول، عليك أن تسانده. ففي هذا العالم القتالي القاسي، من سيعتني بغيره؟ البشر يخونون لأجل لقمة، فلا وجود لوفاء.”

كانت كلماته موجّهة منذ البداية إلى شيطان نصل السماء الدموي، في تلميح صريح إلى خيانته السابقة لغوم مويانغ.

لكن غو تشيون با لم يرد عن السخرية.

أما أخي فقد كان أكثر رقيًا، فسلّم باحترام على العجوز النصل.

“كيف حالك، سيدي؟”

“بخير. هل عدت للتو؟”

“نعم. وصلت للتو.”

“ألم تلتقِ بزعيم الطائفة بعد؟”

“لقد تقاعد إلى غرفته، فلم يتسنَّ لي لقاؤه. سأحيّيه صباحًا.”

“سيُسعده ذلك.”

ثم التفت إلى سيدة السيف ذو الضربة الواحدة وقال بابتسامة:

“ما زلتِ مشرقة كعادتك.”

فأجابت ساخرًة:

“كما توقعت، يبدو أن الإخوة يشتركون حتى في المغازلة.”

أخرج غوم مويانغ علبة صغيرة وناولها لها:

“مستحضر تجميل جلبته بشق الأنفس من الخارج. قيل إنه يفوق كل ما هو موجود في السهول الوسطى. جربيه.”

“ممتنة لك.”

ولم ينسَ أن يوزّع الهدايا على غيرها من شياطين الدمار، فقد كان يعرف كيف يُرضيهم بدقة.

ومن هذه التحية وحدها أدركت سر تفوقه عليّ في حياتي السابقة. لقد كان يعتني بهم جميعًا، بينما لم أرَ سوى نفسي.

ثم حيّا جونغ داي قائلًا:

“مبارك لك لقب اللورد، وإن جاءت التهنئة متأخرة.”

“شاكر لك.”

وهكذا انتهت التحيات، إذ لم يلتفت لا إلى لي آن ولا إلى سو داريونغ. فلسفته بسيطة: إذا أحكمت قبضتك على أصحاب النفوذ، تبعهم الآخرون طوعًا.

بعدها تقدّم ما بول، وما إن لمح الزعيم السابق حتى بدأ شجارًا:

“أما زلت تلتصق بأعمدة طائفتنا؟ ألا يكفيك ما مضى؟”

فأجابه جونغ داي:

“تركت خلفي قذارة لم تُنظّف بعد… قطعة قذارة صغيرة، لكنها ذهبية.”

تغيّر وجه بوذا الشيطاني على الفور، والتقت نظراتهما كأنها خناجر. كانا يومًا أقرب صديقين، لكن ها هما اليوم يتبادلان الكراهية علنًا.

وفيما احتدم الجو بينهما، أشار غوم مويانغ بعينيه إلى الرجل العجوز والشاب اللذين كانا خلفه، فتقدّما لتحيتنا.

عندها، ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي…

هذه اللحظة التي انتظرتها لسنوات طويلة، بل لعقود كاملة، قد حلّت أخيرًا.