الانحدار المطلق - الفصل 83
دخلتُ قرية ماغا برفقة والدي.
كان السير معه في السوق تجربة جديدة تبعث في النفس إثارة خاصة لا تشبه غيرها.
“منذ متى لم تأتِ إلى قرية ماغا؟”
“لقد مضى زمن طويل.”
من نبرة صوته بدا واضحًا أن غيابه عن هذا المكان امتد لسنوات.
“شعور جميل أن نتنفس هذا الهواء النقي، أليس كذلك؟”
تساءلت في داخلي: ‘ماذا تعني هذه الشوارع لوالدي؟’
سرنا ببطء، نتأمل المتاجر المتراصة على جانبي الطريق، والباعة المفترشين أمامها، وحركة المارة. مشينا في صمت وهدوء، كأننا نتذوق هذا المشهد بعينَين جديدتين.
يملك الناس عادة حضورًا فطريًا، لكن حضور والدي كان مختلفًا. لم يُظهر قوته الداخلية، ولم يطلق أي هالة، ومع ذلك انفتح الطريق أمامه تلقائيًا. كان المارة يتنحون جانبًا دون وعي، كأن ثمة هيبة خفية تحيط به، لا تُفسَّر بكلمات.
توقفتُ أمام متجر للأقمشة يبيع الحرير والأزياء القتالية.
“والدي، بما أننا خرجنا معًا، لمَ لا نشتري زيًّا قتالياً متطابقًا؟”
ابتسم ابتسامة خفيفة وأجاب:
“لدي عشرات الأزياء من صنع أمهر الخياطين.”
“لكن لا تملك واحدًا يتطابق مع زي ابنك، صحيح؟ فقط زي واحد، أرجوك.”
تقدمت إلى داخل المتجر أولًا، وتبعني والدي دون أن يقوى على رفض طلبي.
في الداخل، امتلأت الأرفف بالحرير الفاخر والأقمشة الملونة والملابس المتنوعة. خشيت أن يعدل عن رأيه، فأسرعتُ في اختيار زي قتالي.
“ما رأيك بالزي المعلَّق هناك؟”
كان يحمل شعار طائفة الشياطين السماوية الإلهية. ورغم أن الشعار لا يُستعمل عبثًا، إلا أنه يُباع كتذكار، وقد اعتاد الناس اقتناءه.
لكن والدي أشار إلى زي آخر.
“ذلك الزي الأبيض هناك. مطرَّز بأزهار البرقوق على الأكمام والسيقان. يبدو كأنه ينتمي للطوائف الأرثوذكسية.”
“أترغب في أن نختاره؟”
“ألم تقل إنك تنوي زيارة السهول الوسطى؟ لا يمكنك أن ترتدي زيًّا كهذا هناك.”
صُدمت! لقد تذكَّر كلماتي حول تلك الرحلة.
أومأت بحماس:
“أعجبني أيضًا. سنأخذ اثنين من ذلك الزي، لو سمحت.”
ولدهشتي، هو من دفع ثمنهما.
قال بابتسامة خفيفة:
“ألم تقل إنك ستدعوني إلى وجبة؟ سأتكلف أنا بثمن الملابس.”
“شكرًا لك، والدي.”
حملتُ الطقمين بعناية، ملفوفَين بالورق، لكنني كتمت الكثير مما وددت قوله. خشيت أن أفسد اللحظة فيطلق والدي تعليقًا حادًّا يعيد الجو إلى بروده المعتاد.
“أين سنأكل؟”
“هناك.”
قادته قدماي إلى حانة الرياح المتدفقة.
كان بإمكاني اصطحابه إلى أفخم النزل أو أشهر الحانات أو حتى بيوت الدعارة التي يرتادها شياطين الدمار، لكنني لم أرغب في ذلك. وددت أن أُريه مكانًا له معنى عندي.
استقبلنا جو تشونباي بابتسامة واسعة.
“اليوم أحضرت ضيفًا لم أره من قبل!”
“ليس ضيفًا… بل عائلة.”
ارتبك جو تشونباي، وراح يكرر متلعثمًا:
“عائلة؟ أول مرة تجلب عائلتك؟ ع–عائلة؟!”
راح يرمق والدي بحذر. لم يستطع أن يرى وجهه المحجوب بقبعة الخيزران، لكنه شعر من هالته أنه ليس رجلًا عاديًا. تراجع خطوة إلى الوراء بعفوية، ثم التفت إليَّ بعينيه المرتجفتين، يسألني دون كلام:
لا، صحيح؟ مستحيل أن يكون هو؟
أومأت برأسي. نعم، هو من تظن.
شحب وجهه وارتجف كالغصن في مهب الريح. يا لروعة هذه اللحظة! لم أستطع كبح ابتسامتي.
طلبتُ الأطباق التي اختارها والدي، وقلت:
“أعدها جيدًا، من فضلك.”
ارتعشت ساقا جو تشونباي وهو يتوجه نحو المطبخ، فاغتنمت الفرصة وبعثت إليه برسالة ذهنية:
اطبخ بارتياح. والدي لن يقتلك لمجرد أن الطعام لم يكن مثاليًا.
تعثر أكثر وكاد يسقط قبل أن يختفي في الداخل.
جلسنا، فسألته:
“متى كانت آخر مرة شربتَ في مكان كهذا؟”
“كنت آتي عندما كنت شابًا.”
قلت مازحًا:
“لكن ليس بعد أن أصبحت زعيم الطائفة، صحيح؟”
أومأ برأسه.
سألته بنبرة متفحصة:
“ألا تشعر بالاختناق هنا؟”
“أنا بخير.”
سكبت له الشراب وقلت:
“الخروج إلى العالم قد يكون أشد اختناقًا. هناك كثير من الناس ترغب في قتلهم، لكنك لا تستطيع أن تقتلهم جميعًا.”
ضحك بهدوء وسكب لي كأسًا بدوره. جلسنا نتبادل الشراب وكأن الأمر طبيعي تمامًا. بل وأكثر، أصبح لدينا الآن زيان متطابقان.
قال فجأة:
“لقد ازدادت قوتك الداخلية بشكل ملحوظ. كيف فعلت ذلك؟”
أجبته بصراحة:
“حصلت على حبة الدم الإلهية من زعيم طائفة الرياح السماوية.”
اتسعت عيناه دهشة.
“أعطاك إياها ذلك الرجل الجشع؟!”
“ربما أبدو بائسًا في نظر الجميع. كل من يراني يشعر بالرغبة في
إهدائي إكسيرًا.”
ضحك بخفة ثم قال:
“طالما لم تدفع شيئًا من ممتلكاتك.”
“لا تقلق. ورثت عنك حب التملك فيما يتعلق بفنون القتال.”
حينها وصل الطعام. كان جو تشونباي مشهورًا بخفته، يركض بين الطاولات حاملاً الأطباق دون أن يسكب قطرة، لكن هذه المرة كان يمشي بحذر شديد، كأنه يسير على حبل فوق هاوية.
علّقت مازحًا:
“ظننت أن مغتالًا قادم نحونا.”
رمقني جو تشونباي بنظرة متوسلة أن أصمت، ووضع الأطباق برفق شديد، ثم قال:
“إن احتجتم شيئًا آخر، نادوني فورًا!”
وغادر وهو يكاد يختنق من الخوف.
تذوّق والدي الطعام وأومأ.
“ليس سيئًا.”
“أخبره ذلك بنفسك لاحقًا. سيُسعده كثيرًا.”
قطب حاجبيه:
“كلام بلا فائدة.”
“ما لا قيمة له عندك قد يكون ذكرى العمر لشخص آخر. إن لم تقلها، فلن يعرف أبدًا.”
صمت والدي وواصل الأكل بعيدان الخيزران.
ثم سأل فجأة:
“لماذا ارتبك زعيم طائفة الرياح السماوية حينها؟ أخبرني.”
“حاولت أن أفصل طائفته عن شياطين الدمار الثمانية.”
“وهل نجحت؟”
“يبدو كذلك، حتى الآن.”
“وما الذي وعدت به في المقابل؟”
“طلب إنشاء فرع لطائفة الرياح السماوية في السهول الوسطى، ولو كان صغيرًا.”
قهقه ساخرًا:
“مستحيل!”
“ولم لا؟”
قال بجدية لم أتوقعها:
“هل تعلم لمَ أعارض قدومهم إلى السهول الوسطى؟”
“بسبب الصراع التاريخي بين طائفة الدم وطائفتنا؟”
هز رأسه:
“لا علاقة للماضي. هذا ليس السبب.”
“إذن بسبب تحالفه مع شياطين الدمار الثمانية؟”
“بل تركتهم يتحالفون عمدًا.”
ثم ألقى جملة لو سمعها الشياطين لاهتزت قلوبهم:
“سواء اصطدمت بطائفة الرياح السماوية أو بشياطين الدمار الثمانية، سيكون ذلك ذريعة مثالية لضربهم.”
أدركت أنه لا يخشى أيًّا منهم.
“إذن لمَ ترفض الأمر؟”
قال بصرامة:
“لم يحن الوقت بعد. تذكّر هذا فقط.”
ارتجفت نفسي من وقع كلماته؛ لقد فهمت قصده جيدا. توسع طائفة الرياح السماوية في السهول الوسطى لن يكون حدثًا بسيطًا، بل شرارة قد تُشعل صراعًا سياسيًا كبيرًا بين تحالف الموريم والطوائف غير الأرثوذكسية.
‘والدي… هل تحلم سرًا بتوحيد عالم الموريم؟’
كبتُّ فضولي. لم أرغب أن أفسد هذه اللحظة النادرة بسؤال متهور.
قلت بهدوء:
“حسنًا، سأهتم بالأمر بنفسي.”
“كيف؟”
“بعلاقة شخصية مع زعيم الطائفة. سأتعامل معه مباشرة.”
هز رأسه:
“هذا أصعب طريق.”
“لكنه الأصدق. لن أتوهم أنني أفهم قلوب الناس تمامًا، ولن أكون جشعًا في محاولة كسبهم جميعًا. لكنني سأثق بمن يستحق الثقة.”
أومأ دون تعليق، ثم نهض قائلًا:
“شكرًا على الوجبة. تعال العب معي الغو الشهر القادم.”
أجبته بحماس:
“حسنا! حضّر حجارتك جيدًا.”
مد يده، فطار أحد الزيين القتاليين من جانبي إلى قبضته، ثم غادر.
كان مشهدًا يفوق في تأثيره كل ما مضى؛ لمجرد أنه أخذ الزي بنفسه دون أن يطلب ذلك.
وفي الطريق، انحنى جو تشونباي انحناءة عميقة حتى كاد جبينه يلامس الأرض، وقال بصوت مرتجف:
“شرف لي أن أخدمكم.”
توقف والدي للحظة، ثم قال جملة واحدة:
“الطعام جيد.”
وغادر بعدها.
ظل جو تشونباي واقفًا مذهولًا، ثم صرخ متأخرًا:
“نعم! شكرًا لك! عد إلينا مجددًا!”
لكن والدي قد ابتعد بالفعل. جلس جو تشونباي على كرسي وهو يطلق تنهيدة ارتياح طويلة، ثم أخرج زجاجة خمر من تحت المنضدة وشربها دفعة واحدة.
اقتربت منه وسألته:
“كيف تشعر الآن؟”
ابتسم بوجه متورد:
“لا أندم لو مت هذه اللحظة. ولو وُلدت من جديد، سأعيش كمالك لحانة الرياح المتدفقة مرة أخرى.”
“لو وُلدت من جديد، عليك أن تكون بطلًا في الموريم.”
“لا، هذا يكفيني. أن أراقبك وأطهو لك طعامًا لذيذًا، هذه هي حياتي المثالية.”
“يمكنك أن تفعل ذلك حتى وأنت سيد قتالي.”
“ذلك سيكون أكثر بؤسًا. سأضطر إلى كبت نفسي، رغم أنني سيد قتالي.”
لم أعلق. نظرت بعيدًا نحو الشارع، فرأيت ظهر والدي يسير بين الناس ببطء. كم من شخص مر بجانبه دون أن يدرك أنه الشيطان السماوي!
تذكرت فجأة… قبل عودتي بالزمن، لم أنتبه لهذه الأشياء. لم ألحظ ظهر والدي، ولا ملامح جو تشونباي السعيدة، ولا وجوه المارة الذين يمضون نحو غاياتهم. لم أرَ قلوبهم، فلم أعرفها، ولهذا خسرت. لم أخسر أمام هوا مووغي… بل أمام حياتي اللامبالية.
ناداني جو تشونباي من الأسفل:
“سيدي، هل ترغب بالمزيد من الشراب؟”
هززت رأسي:
“لا، لدي أشخاص يجب أن أراهم اليوم.”
ثم غادرت الحانة، أسلك نفس الطريق الذي سلكه والدي، عائدًا إلى الطائفة.