الانحدار المطلق - الفصل 82
بعد يومين، غادر زعيم طائفة الرياح السماوية أراضي طائفة الشياطين السماوية الإلهية، مصطحبًا معه جميع تابعيه.
ودّع الشيطان السماوي، غير أنّه لم يكلّف نفسه حتى بإلقاء تحية على شياطين الدمار الثمانية.
وسرعان ما شاع بين الممارسين الشيطانيين أنّه انصرف غاضبًا بعدما سُرقت القطعة الأثرية الإلهية.
لكنّ الحقيقة لم تكن معلومة إلا لنا وحدنا.
قال غو وول:
“الزعيم رجل متعجل. سيعيد تنظيم طائفة الرياح السماوية ثم يعود بأسرع ما يمكن.”
كنا قد تشاورنا معه بتفصيل حول من سيتولى الزعامة التالية، وكيف ستُدار عملية إعادة الهيكلة الداخلية.
“أدين لك بالكثير لقبولك اقتراحي الأول هذه المرة.”
“بل الشكر لي، فبفضلك كسبتُ السيد العظيم لطائفة الرياح السماوية حليفًا.”
“أرأيت كيف ترهّل جسده من فرط اللهو والطعام؟ علينا أن نضمن أنه سيتدرب بجدّ عندما يعود.”
“هذا واجبك أنت. من غيرك يجرؤ على مخاطبة سيد الأراضي القاحلة بمثل هذه الكلمات؟”
“اترك الأمر لي.”
شعرتُ فعلًا أنّنا أنجزنا أمرًا عظيمًا؛ لم نحصل على الاستراتيجي البارع غو وول فحسب، بل كسبنا أيضًا قائد منطقة مهمة، زعيم طائفة الرياح السماوية. ورغم ما لاقاه من إزعاج ومضايقات خلال زيارته لنا، ظلّ الأقوى في الأراضي القاحلة. أجل، معارك الأسياد لا يمكن التنبؤ بنتائجها، غير أنّي لا أظن أنّ شيطان دمار واحد يجرؤ على الادعاء بأن بوسعه هزيمته في مواجهة فردية.
“مهلًا، مستشار غو.”
“نعم، سيدي الشاب.”
“دور الاستراتيجي يقتضي مراقبة الآخرين والتفكير فيهم، لكن احرص أيضًا على العناية بنفسك متى وجدت فسحة من الوقت.”
اخترتُ لفظ ‘العناية’ بدلًا من ‘تأمّل نفسك’. لم يكن غو وول بحاجة إلى نصائح مباشرة ليفهم المغزى العميق في كلامي.
ابتسم قائلا:
“السيد الشاب حقًا دافئ ولطيف.”
“أسمع ذلك كثيرًا، لا بد أنني بارع في التمثيل.”
لكنه لم يصدّق ادعائي.
“سأتكفّل بسد الثغرات التي يخلّفها لطفك ذاك.”
“خذ وقتك، الأمر لا يستعجل.”
“كما تشاء.”
“عليّ أن أعود الآن. لقد أهملتُ رجالي بعض الشيء لانشغالي بك، وحان وقت الالتفات إليهم.”
“تفضّل، امضِ رجاء.”
ثمّ اتجهتُ مباشرة إلى جناح والدي، فالاهتمام بالشؤون يبدأ دائمًا من الأعلى.
كان والدي في أرض التدريب.
عادةً، حين أدخل تلك الأرض، يهاجمني على حين غرة ليختبرني، لكن هذه المرة وجدته جالسًا أمام لوحة الغو في الوسط يتأمل الأحجار بصمت.
سألته:
“ألعلّك تتدرب على الغو أيضًا؟”
كنت أعلم أنّ والدي يهوى الغو، لكن لم يسبق لي أن رأيته يلعب بنفسه.
قال بثقة:
“في طائفتنا قلائل فقط يستطيعون هزيمتي.”
“أتعني في الغو؟”
“بالطبع.”
قهقهت مازحًا:
“وحين لا تسير المباراة كما تريد، أليس من عادتك أن تشير بيدك إشارة الذبح؟ ثم يظهر العم هوي خلف خصمك فيغرس خنجره فيه؟”
أجاب ببرود:
“أحيانًا. المهم أن تُحسم المباراة لصالحك في النهاية.”
ضحكتُ على مزحته تلك، واقتربت أكثر. كنت أعلم أنّه ليس لاعبًا بارعًا كما يتظاهر؛ انتصاراته الكثيرة لم تكن إلا من باب المجاملة.
“هذه مسألة منحني إياها سيما ميونغ، لكنني لم أجد لها حلًا.”
أمعنتُ النظر قليلًا ثم أشرت إلى موضع محدد:
“ضع الحجر هنا، وستحيا الأحجار البيضاء.”
رمقني بدهشة خفيفة، ثم أومأ برأسه.
“مثير للإعجاب.”
قلت بابتسامة:
“دائمًا ما يكون أسهل على المراقب من الجانب أن يرى الحل بوضوح.”
“بل حللتها وحدي، لم يكن ثمة مراقب.”
“لكن خصمك يجلس بجوارك منذ البداية.”
“ومن يكون؟”
“كبرياؤك. تلك العزيمة التي تُصر على حل المسألة مهما كلّف الأمر.”
ضحك والدي وأمرني بالجلوس أمام اللوحة.
“تعال، لنجرب مباراة.”
“كما تشاء، لكن إياك أن تلوّح بإشارة الذبح حين تخسر.”
في هذه
اللحظة، جلسنا نلعب الغو.
كان الأمر أشبه بحلم. صيدٌ وطعامٌ ولعبة غو… أشياء لم أتخيّل يومًا أن أشارك والدي فيها. لمَ لم نفعل هذا من قبل؟ لمَ اكتفيت دومًا بالخوف من وجهه؟
الغو لا يحتاج إلى كلمات؛ وحدها الحجارة تتحدث. وبينما تُبنى الأقاليم وتُغزَى الحدود، وتارة أكون أنا المطارِد وتارة المطارَد، مضت اللعبة كأنها رسم لحياتنا.
رغم متعتي، لم أتوانَ عن اللعب بكل ما أملك. لوالدي روحٌ تنافسية، ولو شعر للحظة أنني أتساهل معه لكان غضبه أشد وقعًا من الخسارة.
اشتد تركيزه حتى رأيته يدلك ذقنه، بعينين متأملتين أعمق من نظرته يوم كان يقود الحرب ضد تحالف الموريم.
أردتُ أن أمزح، لكنني كتمتُها، فاكتفيت بابتسامة خفية. لو سخرتُ في تلك اللحظة، لانقلبت اللوحة من شدة انفعاله.
انتهت المباراة بفوزي بست نقاط.
قلت مازحًا:
“كما هو متوقع من الشيطان السماوي، مباراة شرسة! بالكاد فزت.”
“متى تعلمت الغو إلى هذا الحد؟”
“شيئًا فشيئًا. سمعتُ أنك تتلقى الدروس من الاستراتيجي سيما. أما أنا… فمستعد دومًا للعودة.”
وبينما ابتسمتُ منتشيًا بانتصاري، مدّ والدي يده فوق اللوحة، فإذا بالأحجار ترتفع في الهواء وتتطاير بخفة، ثم تعود إلى أوعيتها كأنها أسراب أسماك حيّة.
شهقت من الدهشة. كانت حركته رسالة صامتة تقول: هذا هو التحكم الكامل في الفكر الفارغ، أفهمت؟
لكنّه لم يكتفِ.
قال بصرامة:
“لا أستطيع تركك تغادر بعد هزيمتي، فلنتقاتل.”
“أردتُ فقط أن أستمتع بالنصر وأخرج مرفوع الرأس.”
“إن أهملت تدريبك فلن تخرج من هنا.”
كان جادًا. لم تكن المسألة مجرد تنفيس عن خسارة الغو، بل درس يريد تلقيني إياه بسبب موقفي من طائفة الرياح السماوية.
سحب والدي سيف الشيطان السماوي، فاشتد ثِقل الهواء حولي. لم تكن قوة تخترق بل كجبل هائل يضغط من كل صوب.
أخرجتُ سيف الشيطان الأسود، واستدعيتُ تقنية حماية جسد الشيطان السماوي، متحملًا ضغطه دون أن يتغير وجهي. لكنه زاد الهالة، هذه المرة ممزوجة بنية قتل حقيقية.
كان شعورًا مرعبًا. كأن الموت يحط بخفة على جسدي، غير متيقن أين سيستقر. رعب مقشعر، ومع ذلك لم أقاوم. استسلمت لهدوء القبول، محاولًا فقط ألا أفقد نفسي.
فوجئ والدي بقدرتي على التحمل. وعندها انقضّ عليّ.
واجهت هجمته بخطوة ملك العالم السفلي، وارتدّ صوت الحديد يتردد في الساحة. اهتز سيفانا معًا، حتى أنّي شعرت بألم في معصمي كما شعر هو.
قال مدهوشًا:
“ظننتك لا تجيد إلا السياسة، فإذا بك بارع في السيف أيضًا.”
“قصص الحب والسياسة شيء، أمّا التدريب فهو شأن آخر. لم أتوقف عن بذل جهدي.”
مضى القتال. كنا كتوأمين يؤديان الحركات ذاتها. ضربات متطابقة، خطوات متناسقة، سيوف ترسم السماء بخطوط من النور الأبيض.
كشهابين يلتقيان في الليل ثم يختفيان. شكلنا مشهد خاطف، لكنه بديع.
تبادلنا اثني عشر تغييرًا من أسلوب تحويل السماوات، توازت فيها ضرباته مع ضرباتي، كأننا صورتان متقابلتان على ورقة واحدة.
حين اجتاحت طاقة السيف أرض التدريب حتى اهتزت، أوقف والدي القتال بصوت حاسم:
“كفى!”
لقد أدرك أن أي حركة إضافية قد تهدم المكان.
ثم قال بنبرة مختلفة:
“لقد تحسنت كثيرًا.”
كانت تلك مغفرة ضمنية. لقد أراد أن يؤدبني لإهمال التدريب، فإذا به يمنحني أثمن هدية: مواجهة مباشرة معه، لا تقدر بثمن.
شعرت أنني ألمح لأول مرة الطريق نحو العظمة الكامنة في فن السيف الشاهق، عظمة النجوم الاثني عشر.
ابتسمت واقترحت:
“ألست جائعًا؟ ما رأيك أن أدعوك لوجبة في قرية ماغا؟”
ظننت أنه سيرفض، لكنه أجاب ببساطة:
“لنذهب.”
دهشت من موافقته.
بدّل ثيابه إلى زي بسيط، وغطى وجهه بقبعة خيزران حتى لا يثير ضجة.
وغادرنا معًا جناح الشيطان السماوي… في أول نزهة تجمع الأب بابنه إلى قرية ماغا.