الانحدار المطلق - الفصل 71
حدّق زعيم طائفة الرياح السماوية في الموضع الذي وُضعت فيه الآثار المقدسة. نظر مرّة ثم أخرى، أغمض عينيه وأعاد فتحهما، لكن المكان الذي احتضن حبة الدم الإلهية وخيط دودة القز السماوية الأسمى ظلّ خالياً.
قال متنهداً:
“لا أريد أن أرى هذا. كان مثالياً، مثل امرأة فاتنة، لكنه الآن يشبه امرأة فُقدت أسنانها الأمامية.”
عند سماع تأوهاته، ألقى الرجل المكبّل نظرة على ناقوس الرعد وتحدث بهدوء:
“لا تزال الأنياب والأضراس في مكانها. يمكننا أن نعضّ أعداءنا أو نطحن أسناننا ونتهيأ.”
“هل يثيرك الحماس كلّما اختفى أثر مقدس؟”
ابتسم الرجل وقال:
“كيف عرفت؟ لو فككت قيودي، قد أرقص حتى.”
تنهد زعيم الطائفة:
“لأكون صريحاً… أشعر بالخوف.”
“ممّ تخاف؟”
“أن يتبيّن أن كل هذا مجرد حلم باطل. أنني حين أستيقظ لن أجد شيئاً. عندها سأندم وأتساءل عمّا جعلني أتخلى عن كل شيء.”
تأمل زعيم الطائفة الرجل المكبّل. رفع الأخير رأسه، مشّط شعره الطويل المبعثر إلى الخلف، كاشفاً عن وجهه لأول مرة منذ زمن.
“لمَ تفعل هذا فجأة؟”
“لأريك ما الذي ضحيتَ من أجله بكل شيء.”
“أيها الأحمق المجنون…”
كان محقّاً. لم يكن السيد الشاب هو من سحره، بل هذا الرجل المكبّل؛ ذاك الذي اعترف بوقاحة أنّه سحره، وابتسم قائلاً إنه سيجلب الدمار.
سأل زعيم الطائفة:
“كيف نجعل تشونغ سون شيطان دمار؟”
أجاب الرجل المكبّل:
“علينا كسر شياطين الدمار واحداً تلو الآخر وجذبهم إلينا. إقناع، إغراء، وتجنيد. سيتطلب الأمر أثرين مقدسين على الأقل. وإن لم نوفق، قد نحتاج إلى أثر إضافي.”
بدت حساباته محسومة، لكن وجه زعيم الطائفة تجعّد أكثر.
“تخبرني بطريقة لبقة أن أستثمر في السيد الشاب الثاني، أليس كذلك؟ أنت دوماً في صفه.”
ابتسم الرجل المكبل:
“إلى متى ستظل متكئاً على السيد الشاب الثاني؟ تصرّف كرجل وتولَّ زمام الأمور. سأريك كيف تستهدف شياطين الدمار بذكاء.”
“كُفّ عن السخرية!”
“حسناً. إذاً ابقَ ساكناً ولا تفعل شيئاً.”
“وهذا ما يقوله مستشار؟”
ما إن أنهى كلامه حتى دوّى صوت السلاسل. كان احتجاجاً صامتاً بأن لا مستشار في العالم يُقيَّد هكذا، فبقي زعيم الطائفة عاجزاً عن الرد.
قال الرجل المكبّل بهدوء:
“أقول هذا لأنني أعتبر نفسي مستشارك. أحياناً، يكون عدم الفعل هو السبيل إلى أفضل النتائج.”
صمت زعيم الطائفة قليلاً ثم سأل:
“هل يمكننا تحمّل هذا؟”
“السيد الشاب الثاني سيأتي.”
“ثم ماذا؟”
“سيطالب بالآثار المقدسة ليجعل تشونغ سون شيطان دمار.”
“حتى لو كان هو، هل يستطيع ذلك؟”
“علينا أن نؤمن. لقد عبرنا جسر اللاعودة.”
في تلك اللحظة، جاءت تشونغ سون التي كانت تتدرّب في الساحة.
“وصل السيد الشاب الثاني.”
أصيب زعيم الطائفة بدهشة ممزوجة بالإعجاب. إذ مع تتابع الأحداث كما توقّع الرجل المكبّل، شعر بإحساس زائف بالتفوّق.
قال مغتاظاً:
“لست شخصاً يليق بالنبالة.”
فأجابه الرجل المكبّل:
“لأنك لا تفكّر إلا في السيد الشاب الثاني وتتحدث عنه باستمرار.”
“توقف عن الانحياز له! أنا سيدك، أنا!”
ابتسم الرجل ساخرًا:
“مَن قال لك أن تكون الأمواج الأمامية للنهر؟”
ارتجف قلب زعيم الطائفة. لقد قالها بلا مبالاة، لكنها أصابته كالسهم. شعر بالفعل أنّه يُجرف إلى تيارات لا يريدها.
“أجل، أنت محظوظ… ستصبح الأمواج الخلفية للنهر.”
حين قرر الرحيل إلى السهول الوسطى، لم يتخيّل أنه سيخوض مثل هذه المحادثات مع رجل مقيّد.
فعلاً، الحياة لا يمكن التنبؤ بها.
لأول مرة، شعر زعيم الطائفة بارتباك لذيذ من غموض الحياة. وهو ما يعني أنه عاش حياة رتيبة متوقعة حتى تلك اللحظة.
حين قصدت زعيم الطائفة، كانت تشونغ سون حاضرة. عرفتني وحيتني بأدب:
“تحياتي، السيد الشاب الثاني.”
في زمن شيطان حاصد الأرواح، كانت علاقتنا فاترة. أما الآن وقد احتاجت إلى حلفاء خارجيين، فلا بد أن تترك انطباعاً حسناً لديّ، أنا السيد الشاب الثاني وسيد جناح العالم السفلي.
قلت مبتسماً:
“سمعتُ أنك أصبحتِ تلميذة زعيم الطائفة، آنسة تشونغ. تهانينا.”
“شكراً لك، السيد الشاب الثاني.”
لكنها لن تعرف أنّ الأمر كله بدأ بتسريبي لمعلومات إلى سا ووجونغ.
قلت لزعيم الطائفة:
“لدي أخبار هامة. على الآنسة تشونغ أن تستمع أيضاً.”
ما إن دخلنا، حتى التقت عيناي بعيني الرجل المكبّل. صار لنا طريقتنا الخاصة في التحية منذ اللقاء السابق.
سأل الزعيم بجدية:
“ما الأمر؟”
“بوذا الشيطاني يتحرك.”
“بوذا الشيطاني؟ كيف؟”
“يقنع شياطين الدمار بدعم التلميذ الأول، يانغ داو، ليغدو شيطان حاصد الأرواح الجديد.”
زمجر الزعيم:
“اللعنة! إنه أسوأ حتى من سواه.”
أضفت:
“مع تدخّل بوذا الشيطاني المباشر، سيكون من العسير على الآنسة تشونغ أن تنال منصب شيطان دمار.”
عضّت تشونغ سون شفتيها بقلق. لقد خاطرت بالكثير من أجل هذا الهدف. وإن فشلت بعد أن أصبحت تلميذة زعيم الطائفة، فقد تُطرد معه معاً.
قال الزعيم برجاء:
“السيد الشاب الثاني، أليس هناك سبيل لمساعدة هذه الفتاة؟ أنت تعرف أنني مقيد هنا ف
ي طائفة الشياطين السماوية الإلهية.”
أجبت:
“هناك طريقة… لكنها ليست سهلة.”
“ما هي؟”
“يجب التأثير على شياطين الدمار. لحسن الحظ، شيطان نصل السماء الدموي وسيدة السيف ذو الضربة الواحدة يميلان إليّ. إن طلبت عونهما، فربما…”
قال الزعيم متوسلاً:
“من فضلك ساعدنا.”
وأضافت تشونغ سون:
“أرجوك، السيد الشاب الثاني.”
تظاهرت بالتردد رغم ذلك:
“الأمر ليس بالهيّن. لا نعلم ما الثمن الذي سيطلبه شياطين الدمار مقابل أصواتهم. وحتى لو مضت الأمور بسلاسة، فسأدين بدَين ثقيل لشيطان النصل ولسيدة السيف.”
قال الزعيم بجدية:
“ألن نستفيد نحن وتلميذتي أيضاً؟ لن ننسى فضلك.”
“حسنا. سأبذل جهدي.”
“شكراً لك. تمهّل قليلاً.”
أرسل الزعيم تشونغ سون للخارج بحجة التدريب، لتبقى لنا فرصة الحديث سراً. رمقتني قبل خروجها بعينين مثقلتين باليأس.
ما إن ابتعدت حتى سألني الزعيم:
“ماذا تريد هذه المرّة؟ أثر مقدس آخر؟”
“لا.”
تسعّر الدهشة في عينيه:
“لا؟”
ابتسمت قائلاً:
“لا شيء يعلو على حياتي. وهذه المرة… لا أطلب شيئاً.”
“لا شيء؟”
“أجل. لا شيء.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشرقة لم أرها من قبل.
“حين تظهر النتائج، سأدعوك إلى الشراب.”
“شراب أيضاً؟”
“أهديتني أثرين مقدسين ثمينين. سواء فزنا أو خسرنا، سنشرب معاً.”
“أين؟”
“هنا طبعاً. لا ينبغي أن يراك أحد تغادر فيما الآثار المقدسة مسروقة. سأحضّر الشراب والطعام.”
كان هدفي الحقيقي أن أجد مكاناً لا يستطيع الرجل المكبّل التدخل فيه.
“فلنجعله شراب النصر لا الهزيمة.”
“للاحتياط، علّم تلميذتك جيداً. فقد تضطر إلى مواجهة يانغ داو.”
“وضعت ذلك في حسابي.”
قبل أن أغادر، التفت قائلاً:
“بالمناسبة، لدي سؤال.”
“ما هو؟”
“حاولتُ خلق سماء ضمن مساحة بالتقنية الزمكانية، لكن التعاويذ لم تنساب بسلاسة. هل يمكن أن تشرحها مجدداً؟”
ذهل الزعيم، بل حتى الرجل المكبّل الذي نادراً ما يُظهر انفعالاً بدا متفاجئاً.
قال الزعيم:
“لملء المساحة، يجب أن تجسّدها خلال نصف ساعة.”
أحبت مبتسما:
“لقد فعلت ذلك فعلاً في نصف ساعة.”
“ماذا؟!”
لم يصدق عينيه. كان قد شكّك في قدرتي سابقاً حين قلت إنني فتحتها في ساعتين، وها أنا أقلّص المدة إلى أقل من النصف.
“أرني… وسأشرح.”
“هل ستنتظر نصف ساعة؟”
“سأنتظر.”
بدأت فوراً بتلاوة التعاويذ. وبعد مضي الوقت، كنا داخل المساحة التي خلقتها. جلبتُ الرجل المكبّل أيضا قصداً.
ارتسمت السماء فعلاً، لكنها مثقوبة، غريبة المظهر.
سألني الزعيم:
“لمَ بدأت بالسماء؟”
“لأنني أحب النظر إليها وتصفّي ذهني. الآن، أرشدني.”
أوفى بوعده، فشرح لي أسرار ملء المساحة.
كنت قادراً على خلق سماء مثالية منذ البداية، لكنني تعمّدت التظاهر بالعجز لأكشف قدراتي تدريجياً. وبعد جولة أخرى من المحاولة، انبسطت سماء صافية لا شائبة فيها، فذهل كلاهما أكثر.
لم أفعل ذلك من أجل الزعيم، بل من أجل الرجل المكبّل، لأريه مباشرةً أنني أملك القوة.
أجل، كان تباهياً مقصوداً. ففي حياتي السابقة، تعلّمت أنّ أعظم ما يميز القائد هو القوة. القوة التي تجعل الجميع يسلّمون له كل شيء.
وحينها رأيت وجه الرجل المكبّل وهو يحدّق في السماء. عيناه صافيتان… لكن وحيدتان.
لا زلت لا أعرف من يكون. لكن شيئاً واحداً مؤكد: رغم أنني أناديه الرجل المكبّل، إلا أن مظهره وهيبته يناقضان القيود التي تقيّده.
بعد مغادرة غوم موغوك، ساد الصمت بين الرجل المكبّل وزعيم الطائفة. قطعه الأخير قائلاً:
“لقد شهدنا عبقري فنون قتال اليوم.”
“بلا ريب، إنه يملك جسد الفنون القتالية السماوي.”
“جسد الفنون القتالية السماوي؟ صحيح، بدونه لما أتقن تقنية التنقل الزمكاني بهذه السرعة.”
سأله الرجل:
“هل لا تزال تشعر بالندم؟”
“على ماذا؟ منحه تلك التقنية؟ بالطبع لا. ندمي لا علاقة له بقدراته.”
قال الرجل:
“بما علمته إياه من فنون قتال، من يدري أي أسطورة سيصنع؟”
أجاب الزعيم بمرارة:
“وما الفائدة إذا لم تكن تلك الأسطورة عني؟”
ابتسم الرجل المكبّل:
“يا زعيم طائفتنا، لا تعرف الاستسلام أبداً.”
“ها أنت تسخر مني من جديد.”
“بل أقول الحقيقة. يعجبني صدقك.”
“لأنك أنت! لا أكون صادقاً هكذا مع غيرك.”
رغم أنه كثيراً ما كشف عن مشاعره، إلا أنّ الرجل المكبّل ظلّ يخفي قلبه دوماً. وزعيم الطائفة يدرك السبب. طالما بقيت القيود، فلن يعرف مشاعره الحقيقية. ومع ذلك، لم يفكر قط في حلّها.
لن أدع أحداً يأخذك مني.
سواء وعى الرجل المكبّل هذا الإحساس أم لا، فقد ظلّ يحدّق في الأرواح الشريرة المنقوشة على ناقوس الرعد.
سأله الزعيم:
“هل تخاطبك الأرواح الشريرة مجدداً؟”
“تسألني لمَ أعيش هكذا.”
“قل لها: الجميع يعيش هكذا. أيتها الروح البائسة، من أنتِ لتسألي عن سرّ الوجود؟”
لكن زعيم الطائفة لم يدرِ أن الرجل المكبّل كان يقول لتلك الروح كلمات أخرى تماماً… يخبرها عن شخص لا يكف عن الانحياز له والحديث معه. والروح الشريرة، صامتة كناقوس الرعد ذاته، أنصتت لكلماته في صمت.