الانحدار المطلق - الفصل 68

“لدى شيطان حاصد الأرواح خمسة تلاميذ، لكن المرشحين الأبرز لمعركة الخلافة، من حيث العمر والمهارة، هما التلميذ الأول يانغ داو والتلميذة الثالثة تشونغ سون.”

بعد تقرير سو داريونغ، سألت:

“وما سمعة هذين في مصفوفة الوهم الغربية؟”

“بحكم سنّه، يتمتع يانغ داو بخبرة أوسع ومهارات قتالية أعلى، لكن تشونغ سون أكثر شعبية في داخل المصفوفة. يانغ داو ذو طبع حاد وقد أصاب عدة ساحرات أرواح، وبعضهن فارقن الحياة. ومع ذلك، فضّله شيطان حاصد الأرواح، مما جعله وريثاً محتملاً. لكن الحال تغيّر الآن.”

“تحقق منهما بدقة. أريد كل شيء: فنونهما القتالية، أصولهما، قدراتهما، هواياتهما، علاقاتهما الشخصية… بلا استثناء.”

“مفهوم.”

“برأيك، من سيختاره زعيم طائفة الرياح السماوية؟”

اتسعت عينا سو داريونغ بدهشة عند سماع السؤال.

“هل سيختار الزعيم أحدهما؟”

“بالطبع. ولهذا أحقق في تلاميذ شيطان حاصد الأرواح.”

“ولماذا ذلك؟”

“لأنني أخبرته أن يقفز إلى قلب معركة الخلافة داخل مصفوفة الوهم الغربية.”

شهق سو داريونغ بدهشة.

“يا إلهي! ماذا تخطط هذه المرة؟ لا تقل إنك…؟”

أرسل رسالة ذهنية، والقلق بادٍ على وجهه.

هل ستقتل زعيم طائفة الرياح السماوية أيضاً؟ أو يانغ داو؟ أم حتى تشونغ سون؟

هل أنا قاتل متسلسل؟ هل عليّ أن أقتل الجميع؟

عندها فقط تنفّس الصعداء.

“هذا جيد.”

ابتسمت ابتسامة باهتة وأكملت مازحا

“هذه الأيام، يبدو أن الجميع لا يشغلهم سوى التساؤل عمّن سأقتله تالياً.”

“ومن أقلقت أيضا؟ أستاذي؟”

“أستاذك؟”

“آه! شيطان نصل السماء الدموي.”

“ما زلت لم تناده أستاذاً، أليس كذلك؟”

“صحيح. لم يمنحني الإذن بعد.”

انزلقت كلمة ‘أستاذ’ من فم سو داريونغ بلا وعي، وبدا أنه يعتبره بالفعل أستاذه. كنت أشعر أن انجذابه لشيطان نصل السماء الدموي يزداد يوماً بعد يوم، ربما بسبب المشهد الذي لا يُنسى حين رآه جالساً يقرأ كتاباً.

“إذاً، من تظن أن الزعيم سيختار؟”

“وكيف لي أن أعلم؟”

“إن لم يعرف العبقري الأول في امتحان القبول، فمن سيعرف إذن؟”

ردّ بابتسامة خفيفة.

“حصلت على أعلى الدرجات بالكدّ والدراسة الجادة، لا لأنني عبقري.”

“ألم أنادك عبقرياً؟”

“كانت تلك كلماتك، سيدي.”

“لكنك أومأت بفخر آنذاك؟”

ضحك بخجل ثم أكمل.

“أعترف بذلك. شعرت ببعض الفخر حينها. لذا أرجوك اخفض رتبتي من عبقري إلى شخص كفء عملياً. في المقابل، سأضمن لك تحقيقاً شاملاً عن الاثنين.”

ثم انحنى وغادر المكتب.

سأل زعيم طائفة الرياح السماوية، وهو يحدّق في الرجل المقيّد.

“إذاً، من يجب أن ندعم؟”

لكن الرجل المقيّد لم يرد، بل حدّق في ناقوس الرعد المعلّق.

سأل زعيم طائفة الرياح السماوية.

“لماذا تحدّق فيه هكذا؟ هل تظن أن الشيطان المحفور عليه سيحدثك؟”

فجأة، نطق الرجل المقيّد.

“كيف عرفت ذلك؟”

ارتجف الزعيم وأجاب مترددا.

“لماذا تبدو مخيفاً هكذا؟”

“أحياناً… يتحدث إليّ.”

“وماذا يقول؟”

ثبت بصره على النقش الشيطاني وهمس.

“يسألني: لماذا تعيش هكذا؟”

ساد الصمت لبرهة بينهما.

ثم سأل الزعيم فجأة.

“وماذا تجيب؟”

“في الماضي قلت له إنني أعيش هكذا بسبب شخص ضيق الأفق وجشع. أما الآن فأخبره أن السبب لم يكن ذلك الشخص وحده على الأغلب.”

“وماذا قال عندها؟”

لم يجب الرجل المقيّد، لكن بعد إلحاح، تحدث محدقا في الزعيم بازدراء.

“ولماذا تكرر الأسئلة؟ أتظن أن النقش يتكلم حقاً؟ هل جُننت؟”

ابتلع الزعيم ريقه. فأكمل الرجل المقيّد ساخراً.

“بالطبع سأجن. قريباً، سأجلس أمام ذلك الشيطان المحفور وأخاطبه بنفسي: لماذا تحيا بهذا الجهل؟ لماذا؟ أيها الشيطان، لا بد أنك تعرف، فقد راقبت كل شيء منذ البداية!”

ثم غيّر الرجل المقبل الموضوع فجأة.

“إنها تشونغ سون.”

ارتبك الزعيم ورد منزعجا.

“واو! أنذرني قبل أن تتكلم هكذا!”

كان هذا الرجل المقيّد غير المتوقع كنزاً حقيقياً؛ لقد أجاب دائما في اللحظة التي تحتاجه فيها.

“ولماذا تشونغ سون؟ من وجهة نظري، يانغ داو أوضح أنه الأجدر بالخلافة.”

“إذاً اختره. لماذا تحتاج إلى سماع رأيي كزعيم لطائفة؟”

فكّر الزعيم قليلاً، ثم قال:

“حسناً، سأختار تشونغ سون وفق قناعتي.”

لم يسأله عن الأسباب، فالأفعال السابقة للرجل المقيّد كافية لتجعل الزعيم يثق به دون قيد.

لكن الزعيم حار في سؤال جديد.

“تشونغ سون، إذاً… كيف أضمّها كتلميذة؟”

ردّ الرجل المقيّد ببرود.

“لا أعرف.”

“وماذا نفعل إن لم تعرف؟”

“أليس الأغرب أن أعرف وأنا مقيّد هكذا؟”

“صحيح.”

رغم ذلك، لم يذكر الزعيم قط مسألة تحريره من قيوده. كان يدرك أن تحريره يعني رحيله، وأن كل شيء سينتهي. لذا كان إطلاق سراحه محرّماً عليه.

تمتم الزعيم بهدوء.

“هل عليّ أن أذهب لرؤيتها بنفسي؟”

“وماذا ستقول لها حينها؟”

“هل أقول لها: كوني تلميذتي؟ سيبدو ذلك متعجرفاً. أم، سأسمح لك بأن تصبحي تلميذتي؟”

ابتسم الرجل المقيّد بازدراء.

“وتظن أنها ستقبل؟ ضع نفسك مكانها. لو جاءك رجل غريب، مجهول النوايا، وقال فجأة إنك ستصبح تلميذه، هل كنت ستوافق كزعيم طائفة؟”

“مستحيل.”

“إذاً النتيجة نفسها معها. لن تنجح الأمور بهذه البساطة.”

“هل تقصد أن ثمناً لا بد أن يُدفع؟”

أومأ الرجل المقيّد.

“ستكون أستاذها وتعلّمها فنون القتال. وإن وُجد ثمن، فعليك أن تدفعه.”

زمّ الزعيم شفتيه قبل أن يرد.

“هذه عقلية بالية. في عصرنا، الثمن يدفعه الأشد يأساً، لا الطرف الآخر.”

ضحك المقيّد ببرود.

“أنت تميل إلى الأخذ لا العطاء. تريد أن تأتي محمّلة بالهدايا لتلبي حاجاتك، تركع طوال اليوم في الفناء وتتوسل لتتعلم.”

ثم أضاف بلهجة أكثر جدية.

“إن كان لا بد من ثمن، فلن تدفعه لتشونغ سون.”

“سأدفعه لمن إذاً؟”

“السيد الشاب الثاني. لقد أطال النظر في الكنوز من قبل، وسيطلب المزيد هذه المرة أيضاً.”

شتم الزعيم بقوة.

“تبا!”

ابتسم الرجل المقيّد بهدوء.

“سيظل السيد الشاب الثاني… حتى النهاية.”

كما تباهى سو داريونغ، فقد أثبت أنه جدير بالثقة في الأمور العملية. فقد تحقق من كل شيء عن يانغ داو وتشونغ سون: خلفياتهما العائلية، مستويات فنونهما القتالية، شخصياتهما، علاقاتهما وحتى أطعمتهما المفضلة.

قال بجدية:

“لكن هناك أمر غريب لاحظته حول تشونغ سون.”

“ما هو؟”

“لقد التقت سا ووجونغ عدة مرات.”

تفاجأت بسماعي للاسم.

“سا ووجونغ؟”

“نعم. وبما أن لا رابط واضحاً بينهما، اعتقدت أنه أمر يستحق التنويه.”

كان سو داريونغ يعلم علاقتي السابقة بسيدة السيف ذو الضربة الواحدة، لذلك ذكر الأمر منفصلاً.

عادت إلى ذهني نهاية سا ووجونغ… لقد سقط تحت تأثير تقنية حصاد الروح، وحاول قتل سيدة السيف ذو الضربة الواحدة، لكنه هو من قُتل في النهاية. لم يُعرف القاتل قط حينها.

لكن الآن، أصبح كل شيء واضحا.

‘آه… لا بد أن تلك كانت تقنية حصاد الروح الخاصة بتشونغ سون!’

كان استنتاجاً طبيعياً.

قلت بصوت مسموع.

“إنهما على علاقة عاطفية!”

تجمّد سو داريونغ مذهولاً، ليس من وجود العلاقة، بل من دقّة حدسي.

“كيف عرفت؟”

الأمر كان واضحاً لي؛ لقد أحب سا ووجونغ سيدة السيف ذو الضربة الواحدة، وإن وقعت يد تشونغ سون عليه، فلا شك أن مقتله كان بدافع غيرتها وغضبها. شابة مثلها لن تتحمل أن يولي رجلها اهتماماً لامرأة أكبر منها سناً، جرح كبريائها كان كافياً ليمزّق روحها.

ولم يكن ذلك وحده دليلي؛ هي نفسها من أخبرتني عن مكان دفن ضحايا تقنية حصاد القلب والروح، ولا شك أنها أيضاً من سرقت مروحة نيون غيو وأخفتها هناك. كل هذه الأسرار لا يعرفها سوى تلاميذ شيطان حاصد الأرواح. ولولا وجود علاقة بينها وبين سا ووجونغ، لما سربت له مثل هذه الأسرار.

كل شيء اتضح جلياً، لكنني لم أبح بكل التفاصيل لسو داريونغ.

نهضت من مقعدي فجأة.

قال متوجساً:

“هل تنوي تغيير مجرى الأحداث مرة أخرى؟”

“وكيف عرفت؟”

“تبدلت نظراتك. سيدي، لماذا تبحث عن العباقرة وأنت عبقري بنفسك؟”

أجبته بابتسامة جانبية:

“لست عبقرياً. لكن لدي موهبة في التدبير، ولا أدع ما هو ثمين يفلت من يدي. أحتاج إلى شخصٍ يرى الصورة الكاملة بعقله. وجود مثل هذا الشخص يغير مسار منظمة بأكملها.”

“لا أفهم تماماً… لكني أراك مدهشاً رغم ذلك.”

“إن كنت لا تفهم، فاعلم أنك بفضل تحقيقك ساعدتني على كشف الحقيقة. حتى لو وجدت عبقرياً آخر، لن أستبدلك به.”

ارتسمت ابتسامة رضا على محيّاه:

“بالطبع، ستحتفظ بكلا الطرفين. لكن إلى أين تذهب الآن؟”

كنت قد غادرت المكتب بالفعل.

‘لأجمع المزيد من الكنوز!’

لكن هذا سر لم أبوح به له.

مضيت مباشرة إلى مقر زعيم طائفة الرياح السماوية. كان المكان نفسه مسرح الحادثة، وبصفتي قائداً لجناح العالم السفلي، كان دخولي وخروجي مبَرراً.

استقبلني قائلاً:

“أهلاً بك.”

“هل كنت بخير؟”

“قرأت المواد التي أرسلتها، شكراً.”

“لا داعي للشكر.”

وبينما كنا نتبادل التحيات، ألقيت نظرة خلسة على الرجل المقيّد. كان مطأطئ الرأس، لا يلتفت إليّ، ومع ذلك، كلما وقع بصري عليه شعرت أنه ليس مجرد شخصية عابرة.

أعدت بصري إلى الزعيم وسألته:

“هل وجدت وسيلة للانضمام إلى معركة الخلافة في مصفوفة الوهم الغربية؟”

“ليس بعد.”

“عليك أن تسرع، فشياطين الدمار سيتدخلون قريباً لاختيار الوريث.”

قال متنهداً:

“كما ترى، أنا هنا مقيّد كذاك الرجل، وليس من السهل مقابلة ورثة المصفوفة.”

أومأت متفهما.

“ومن تعتقد أنه الأنسب من المرشحين؟”

“تشونغ سون.”

لم يتفاجأ بإجابتي، مما دلّ أنه توصل إلى الاستنتاج نفسه مع الرجل المقيّد.

سرعان ما أجاب بعدي.

“أنا أيضاً أرى أنها الأنسب.”

لكن السبب في دافعي ارتبط بسا ووجونغ، أما بالنسبة لذلك الرجل المقيّد فما زلت أجهل دافعه.

قال الزعيم:

“لكن لا وسيلة لإقناعها.”

“وماذا لو جلبتها إليك مباشرة؟”

“ثم ماذا بعد؟”

“ستطلب أن تصبح تلميذتك. سأقدّمها لك كما لو على طبق من ذهب.”

ابتسم قائلاً:

“لو فعلت ذلك، أن أطلب أكثر.”

قلت ببرود:

“في المقابل، أعطني أثرا مقدسا.”

انطفأ التوهج من على ملامح وجهه على الفور.

“وقح عديم الحياء.”

“ليست وقاحة، بل منطق. في هذا العصر، لا تنجز الأمور بالولاء أو العلاقات وحدها، بل بالتعويض العادل.”

زمجر زعيم طائفة الرياح السماوية ردّا عليّ:

“وأنا من العصر السابق.”

“لكن الأزمنة تغيّرت. وأنا من أبناء هذا العصر. إن لم يرق لك الأمر، فابقَ تنظر فقط إلى ما يروقك، مثل مستحاثة قديمة.”

عبس الزعيم، لكنني تابعت بنبرة لينة:

“هذه المسألة تخص الشباب، فدعها لي. سأعطيك نتائج تجعل الكنز ثمناً عادلاً.”

قال بعد تفكير:

“حسناً، أقبل عرضك.”

أوحى وجهه بعدم الرضا، لكن من الواضح أن الرجل المقيّد أقنعه.

ابتسمت مجيبا:

“حين تأتي هي بنفسها وتطلب أن تكون تلميذتك، سيكون رفعها إلى رتبة شيطان دمار مسؤوليتك أنت.”

قال باستياء:

“وإن احتجت مساعدتك ثانية، ستطالب بكنز آخر. خذ كل شيء الآن دفعة واحدة!”

“ليتني أستطيع. لكن ذلك لن يخدم مصلحتك ولا مصلحتي.”

ثم نهضت، وألقيت تحية مهذبة، وتبادلت مع الرجل المقيّد نظرة خاطفة قبل أن أغادر.

كنت أعلم إلى أين يجب أن أتجه هذه المرة.

إلى مفتاح هذه المسألة… سا ووجونغ.