طريق الخلود المتجدد - الفصل 98: تجمع الأرواح المئة

يقع «وودو» بالقرب من «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» بشكل لا يدع مجالاً للشك، ولأسباب عديدة، لا ينفك الممارسون عن التوافد والتردد عليه.

وبفضل هذا القرب، تتقاذف الأنباء المتعلقة بالممارسين في أرجاء «وودو»، وغالباً ما تكون تلك الأخبار دقيقة بشكل مذهل.

إن عامة الناس، وإن عجزوا عن بلوغ «طريق الخالدين»، إلا أنهم يتوقون إليه بشدة، مولعين بجمع كل شاردة وواردة عن أخبارهم؛ فمن يدري؟ إن خلت سبلهم من الموهبة، فقد يرزقون بذرية تحملها، وعندها سيحين وقت استغلال هذه المعرفة.

وهذا التفكير هو ما يدفعهم، متى سنحت الفرصة، لفتح أحاديث مطولة حول شؤون «طريق الخالدين».

وهذا الأمر، بطبيعة الحال، صب في مصلحة غو لوه شنغ، إذ صار الحصول على المعلومات يسير المنال.

وبالتدريج، بدأت معالم «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» تتضح له بالكامل.

وعلى الرغم من تسميتها بـ «المدينة»، إلا أنها في الواقع تمثل مفهوماً جغرافياً واسع النطاق، ينقسم في مجمله إلى ثلاثة أجزاء.

الجزء الأول، هو المنطقة الواقعة خارج الأسوار ولكن داخل حدود «صفيف جمع الأرواح»، وتُعرف بـ «المدينة الخارجية». وغالباً ما يقطنها الممارسون المنعزلون الذين لا ينتمون لطائفة، أو عائلات الممارسين التي تتوارث المسار عبر الأجيال. ومع وجود بعض العائلات الصغيرة هناك، إلا أن حالهم كحال صاحب القسيمة اليشمية، لا يزالون على بعد شاسع من الوصول إلى مرحلة «تأسيس الأساس»، وقد يكون هدف العائلة بأكملها هو بلوغ هذه المرحلة فحسب، بينما نادراً ما يتجاوز أقوى أفرادها مستوى «مرحلة تكثيف التشي المتأخرة».

أما الجزء الثاني، فهو ما يقع داخل الأسوار، وهي «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» الحقيقية، وتُسمى «المدينة الداخلية».

تتجمع في «المدينة الداخلية» كل الأرواح في تلك المنطقة الشاسعة، حيث زُرعت فيها أعداد لا تحصى من عروق الأرواح. وهذا هو المكان المهيأ لتدريب ممارسي «مرحلة تأسيس الأساس»، لذا فإن قاطنيها إما أن يكونوا من كبار العائلات، أو ممارسين في مرحلة «تأسيس الأساس»، أو تلاميذ للطوائف الكبرى؛ باختصار، لا وجود لشخصيات عادية بينهم.

وبالنسبة لأهل «المدينة الخارجية»، فإن أي ممارس من الداخل يبدو كائناً متعالياً لا يُقهر، ولذا فإن حلم معظم العائلات هو شراء قطعة أرض روحية في «المدينة الداخلية» لترحيل عائلاتهم إليها.

لكن، ليس هذا هو قمة المجد؛ فالمدينة الداخلية في نهاية المطاف ليست سوى مكان للغرباء، أما أرض «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» الخاصة، فهي أكثر كثافة من حيث الأرواح، إذ خضعت لعمليات تنقية لا تعد ولا تحصى حتى بلغت ذروة النقاء.

ووفقاً لما أفصح عنه ممارسون حالفهم الحظ بدخول «قصر الطاو المركزي»، فإن الأرواح هناك تفوق بكثير ما تحتويه «حجر الروح»، لدرجة أن الوصول إلى «تأسيس الأساس» يصبح أمراً هيناً، بل إنها تزيد من فرص الممارس في بلوغ «مرحلة الجوهر الذهبي» بضع درجات.

إن الأساطير المحيطة بهذه المنطقة تبعث في النفس السكينة والرهبة، وللأسف، قلة قليلة هم من يملكون امتياز الدخول إليها.

وبالنسبة لغالبية الناس، هم يعلمون فقط أن هذا المكان يُدعى «قصر الطاو المركزي»، ويُشاع أنه ممتلكات خاصة لـ «تحالف الأرواح الخمسة»، ولا يُستخدم إلا لتدريب الممارسين النخبة في طوائفهم. أما ما يكمن بداخله حقاً، فلا يعدو كونه شائعات يتناقلها الناس، دون دليل قاطع.

استمع غو لوه شنغ لكل هذا لفترة طويلة، وشعر برضا كبير، إذ باتت ملامح مستقبله أكثر وضوحاً.

أخرج الفضة ودفع ثمن الخدمة، ثم نهض لمتابعة طريقه.

وما إن غادر حدود «مملكة وو»، حتى تلاشت الطرق الممهدة، وحلت محلها الجبال الشاهقة والأنهار العميقة، مع ما يعتريها من حشرات سامة وضباب خانق؛ وهي عقبات يستحيل على الفانين تجاوزها.

ولو فكر أحدهم بإشعال النار لحرق الجبال، فقد يستجلب غضب الوحوش الشيطانية التي ستندفع لتفتك بكل شيء.

إن بعض تلك الوحوش قوية لدرجة أن ممارساً في «مرحلة تكثيف التشي» في مستوياتها الثانية أو الثالثة لن يستطيع هزيمتها، فكيف بالفانين؟

لذا، صارت هذه الأماكن مقفرة، وخالية تماماً من آثار أي نشاط بشري يذكر.

كان غو لوه شنغ ينوي الهبوط والسير على الأقدام ليبقى بعيداً عن الأنظار، لكنه عدل عن رأيه في اللحظة الأخيرة، وأخرج أداته الطائرة، ليتحول إلى خيط من الفضة يحلّق ببطء نحو البعيد.

بعد أيام من التحليق، بدأ الضوء المحيط يتزايد، وظهر المزيد من الممارسين.

لقد فاق عددهم كل ما رآه غو لوه شنغ في حياتيه الاثنتين مجتمعتين.

من الواضح أن الممارسين في نطاق «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» موجودون بكثرة، وظهور أفراد منهم بين الحين والآخر هو أمر روتيني لا يستدعي الانتباه.

مع وجود هذا الحشد الكبير من الممارسين على الطريق، يصعب ارتكاب أي سوء أو تجاوز، فمن ذا الذي يجرؤ على إثارة المتاعب تحت أنظار الجميع؟ ناهيك عن قتل الغير وسلب كنوزهم.

على العكس من ذلك، كان التنقل على الأرض يجعل المرء عرضة للمخاطر التي تخفيها التضاريس المعقدة؛ فإن كان الحظ حليفاً ولم يلاحظك ذوو النوايا السيئة، فذاك حسن، أما إن انكشف أمرك، فالهجوم أمر محتوم، فمن ذا الذي يقف ساكناً في مكان كهذا دون سبب؟

أدرك غو لوه شنغ هذه الحقيقة، فواصل الطيران في هدوء، مما أعفاه من مشقة المسير.

مرت الأيام سريعاً.

كان غو لوه شنغ يحسب موقع «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» باستمرار كي لا يتجاوز وجهته، وفجأة، رأى ضوءاً ساطعاً يتوقف في الأفق، كاشفاً عن قارب روحي، بينما كان ممارس يرتدي رداءً أخضر ينظر إلى الخلف بابتسامة.

ومن بعيد، اقترب شعاع روحي بسرعة، وقبل أن يصل صاحبه، سُمع صوته:

«هاهاها! هل أنت أيضاً في طريقك إلى التجمع يا رفيق الداو تانغ؟ يا له من نصيب أن نلتقي في هذا المدى الشاسع، لا بد أن هذا سيكسر بعضاً من مللنا. ما رأيك أن نكمل الطريق معاً؟»

كان القادم رجلاً بوجه أحمر قرمزي، تفوح منه رائحة أهل «طريق الخالدين» بوضوح، ويبدو كقائد لمجموعة من الرجال.

رد الممارس ذو الرداء الأخضر بابتسامة: «إنها لفرصة حقاً. تفضل يا رفيق الداو وو! لقد أعددتُ الكثير من الأشياء النفيسة لهذا التجمع، وأنوي استبدالها ببعض الأدوية الروحية لصناعة الحبوب. هل لديك خطط مشابهة؟»

«جيبي لا يكاد يحتوي على بضع حجارة روحية، لذا جئت هذه المرة لأشهد الأجواء فحسب. ومع ذلك، لا بد لي من شراء بضع قوارير من الحبوب التي ستعرضها، فالمجيء إلى هنا لا ينبغي أن يذهب سدى».

كان الرجل ذو الوجه القرمزي عاري الصدر، يقف فوق قرع نبيذ، وانطلق يرافق الممارس ذا الرداء الأخضر بعيداً.

من بعيد، غرق غو لوه شنغ في أفكاره.

«تجمع الأرواح المئة؟»

بناءً على حديثهما، أيكون هذا سوقاً روحياً يتاجر فيه الممارسون بكنوزهم؟

لقد زادت كثافة الأرواح في هذا المكان بشكل غريب، وربما لهذا السبب بالتحديد تباطأ وتوقف ليحسب موقعه، تفادياً للضياع، ولعل الأمر متعلق بهذا «تجمع الأرواح المئة».

استخدم غو لوه شنغ «العين الروحية» ونظر إليهما من بعيد، ليجد أن كلاً منهما محاط بهالة روحية أقوى بكثير من هالة جسده.

لقد أمضى ثلاثين عاماً، خصص منها سنوات عديدة للتدريب في مناطق ذات تركيز روحي عالٍ، حتى وصل إلى «مرحلة تكثيف التشي الثانية»، ومع ذلك كان الضوء الروحي المحيط بهما أكثر كثافة، مما يعني أنهما على الأقل في مستوى «مرحلة تكثيف التشي الثالثة» أو أعلى.

وبقوة كهذه، لم يكونا بحاجة لتمثيل مشهد ليخدعاه.

راقب غو لوه شنغ رحيلهما حتى اختفيا في الأفق، وتأكد تماماً من أنهما لم يلاحظا وجوده، عندها تحرك ليتبعهما. ومع اقترابه، ازدادت كثافة الأرواح وتكاثرت أنوار الممارسين الطائرة؛ لقد بدأ الحفل الكبير الخاص بالممارسين بالفعل.

كان أغلب الممارسين يأتون بمفردهم، ومعظمهم لم يغيروا مظهرهم، بل كشفوا عن ملامحهم الحقيقية بوضوح، وكأنهم لا يخشون وقوع أي حوادث.

كما سار العديد منهم في جماعات، حتى أن بعضهم كان يرافق أجيالاً أصغر، ربما ليطلعوهم على أحوال العالم.

كان الجميع يتجهون نحو بقعة واحدة، ليهبطوا في وادٍ يلفه الضباب.

مكث غو لوه شنغ بضعة أيام، واكتشف أن المئات قد دخلوا إلى ذلك الوادي، وهو عدد ليس بالقليل. وبالطبع، كان هناك من حقق مآربه وخرج راضياً قبل انتهاء التجمع.

وبسبب خروج بعضهم، اطمأن غو لوه شنغ بأنه لا خطر هناك، فأمسك بخنجر الفضة المنقوش الذي أعاد صقله تحت كمه، ودخل الوادي بخطوات واثقة.

كان الضباب المحيط بطبقة الوادي الخارجية يحجب الرؤية، لكن بمجرد بث طاقة التشي، تلاشت الغيوم على الفور وكشفت عن الطريق. تأمل غو لوه شنغ في الأمر قليلاً، وشعر أن هذا التشكيل صُمم لجمع الأرواح أكثر من كونه صفيفاً وهمياً.

ومع استمراره في المشي لمسافة قصيرة، ظهر أمامه سوق تجاري يعج بالحياة؛ صفوف من الأكشاك، بل وحتى متاجر دائمة، وتدفق مستمر من الناس، وكأنما عاد إلى صخب المدن البشرية في أوج ازدهارها.

وفي المقدمة، انتصبت بوابة خشبية، نُقشت عليها كلمات حُقنت بـ «الحس الإلهي»، بحيث يفهم كل ممارس معناها، حتى وإن لم يعرف لغة تلك النقوش.

«تجمع الأرواح المئة!»