طريق الخلود المتجدد - الفصل 198: الفصل 197: حين تجتمع طوائف الخالدين تحت السماء
في أعماق «مستنقع أرواح الوحوش العشرة آلاف»، وفوق رقعةٍ من المستنقعات التي يلفها ضبابٌ سامّ، بدأت سفنٌ روحيةٌ تتوافد تباعاً، تشقُّ عبابَ الجوّ كأنها نذرُ عاصفة.
كان لكل سفينةٍ منها علامتها المميزة؛ إما راياتٍ خفاقة، أو نقوشاً غامضة، أو هالةً روحيةً فريدة تكفي لتمييز هوية أصحابها.
أما المزارعون ذوو البصيرة، فقد كانوا يدركون بمجرد لمح تلك الرموز أنها تنتمي إلى أقوى قوى «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» وأكثرها سطوعاً: الطوائف الخمس العلوية، والطوائف العشر التابعة لها!
الطوائف العلوية الخمس هي: طائفة «هاو ري»، «وادي تشيان جو»، «قصر الجليد والثلج»، «جبل روح الوحش»، و«بوابة قمع الأرض».
أما الطوائف السفلية العشر فهي: «طائفة تيان جي»، «جبل تيانما»، «وادي الزهور المئة»، «نطاق هوان شوي»، «كهف التنين والنمر»، «بوابة الورقة الحمراء»، «جبل فان»، «طائفة سيف ذبح الآلهة»، «طائفة تشانغ شنغ»، و«تعاليم فو الخالدة».
أن تجتمع طوائف العالم تحت سماءٍ واحدة في هذه الأرض المقفرة، فذاك أمرٌ لا يبعث على الريبة فحسب، بل يؤكد وجود سببٍ جلل.
وهنا، في هذه البقعة بالذات، يقع «أرض الخشب المنيع المحرمة»!
على متن سفينة «وادي الزهور المئة».
ركز «غو لوه شنغ» طاقته الروحية في عينيه، مفعّلاً «فن الرؤية السماوية» لتعزيز بصره، وراح يتفحص المشهد من الأعلى.
كانت الأرض بالأسفل مستنقعاً يغصُّ بالغازات السامة، مما جعل الرؤية ضبابية ومبهمة، ومع ذلك، استطاع لمح بقايا أطلالٍ متناثرة هنا وهناك؛ إنها آثار طائفةٍ قديمة تحولت بعد مرور عصورٍ لا تُحصى إلى حطامٍ داثر لا هوية له.
وفي قلب هذه الأطلال، انتصب مذبحٌ ضخم تم استخراجه من جوف الأرض.
كان المذبح مهيباً، بارتفاع سبعة أمتار وقطر عشرين متراً، يتخذ شكلاً دائرياً نُقشت على سطحه كتاباتٌ قديمة ورموزٌ غامضة. للوهلة الأولى، يبدو المذبح أثرياً وعميقاً، لكن عند التدقيق فيه، تتلاشى التفاصيل، وكأن قوةً خفيةً تتعمد حجب حقيقته.
وفي مركز المذبح، كان هناك شيءٌ ثمين يُعبد كأنه إلهٌ صغير: لؤلؤةٌ شفافة عالقةٌ في قلب هالةٍ نورانية، تطفو في الفراغ.
لم تكن اللؤلؤة أكبر من قبضة اليد، لكنها كانت تعرض في داخلها مشاهدَ متلاحقةً ومضطربة، صوراً متداخلةً لا يمكن فكّ رموزها أو إدراك كنهها.
«هل هذه هي جوهرة العالم المحرم؟»
تأملها «غو لوه شنغ» باهتمامٍ بالغ.
قبل دخوله إلى العالم المحرم، زودته «سو سويا» بمعلوماتٍ وفيرة، وكانت هذه اللؤلؤة من بين ما ذُكر فيها. إنها جوهرةُ العالم المحرم ذات الطبيعة الغامضة، التي تمتلك القدرة على فتح بوابة العالم المحرم ذاته.
لكن هذه الجوهرة تنتمي إلى النوع الثابت، لا يمكن نقلها من مكانها، ولهذا السبب تحديداً انكشف أمرها قبل مئة عام.
يُقال إن هناك نوعاً آخر من جواهر العالم المحرم، ذلك النوع الذي يرافق صاحبه أينما ارتحل، وكأنه يحمل عالماً كاملاً في جعبته، وهو يُعدُّ من أندر وأعظم الفرص التي يحلم بها أي مزارع!
تلك ثروةٌ طائلةٌ لا يمتلكها إلا فردٌ واحد، قادرةٌ على تغيير مصير المرء وجعله يتحدى السماء. إن أصول العديد من الطوائف الكبرى بدأت بامتلاك واحدةٍ من هذه الجواهر المتنقلة، ففي ظل تدهور الطاقة الروحية في هذا العالم، بات من الصعب جداً تكوين «نواة الذهب»، ناهيك عن الوصول إلى مراتب السموّ الأعلى.
كان «غو لوه شنغ» يطمع في مثل هذا الكنز؛ فهو في عرف روايات الخالدين ليس إلا "مساحةً محمولة" تمنح صاحبها طاقةً روحيةً أكثر كثافة، وتُسرّع نمو الأعشاب الروحية بشكلٍ مذهل، وهو ما يخدم طريق السموّ بشكلٍ لا يقدر بثمن.
لكن، للأسف، كل عوالم العالم المحرم مملوكةٌ لأحد. حتى كبار الطوائف لا يملكون بالضرورة جوهرةً من هذا النوع، والحصول عليها يحتاج إلى حظٍ يتحدى الأقدار، وهو أمرٌ لا يرجوه «غو لوه شنغ» الذي يفضل البقاء في كهفه على المخاطرة بالتجوال.
وبالحديث عن الطمع، فإن «عائلة وانغ» تمتلك الكثير لتقوله في هذا الصدد...
منذ ارتقائه إلى «مرحلة تكثيف التشي»، سعت «عائلة وانغ» جاهدةً للتخلص من «غو لوه شنغ»، لكنهم حتى هذه اللحظة لم يظفروا بفرصةٍ سانحة. ولهذا السبب، أرسلوا أتباعهم إلى «أرض أرواح ملك الحشرات» في محاولةٍ لحل المشكلة من جذورها، لكنهم عادوا خائبين.
كانت التشكيلات في «أرض أرواح ملك الحشرات» في غاية الغرابة، يستحيل اختراقها، ومن يدخلها يضلُّ طريقه بسهولة. كانت ميزة الأرض التي تمتلكها «عشيرة سو ديي» عظيمة جداً، ولا يمكن كسرها إلا بتدخل مزارعٍ في «مرحلة تأسيس الأساس».
أدركوا حينها أن عائلة «جانغ شي تشينغ» ليست لقمةً سائغة، بل ربما عقدوا تحالفاً سرياً مع «عائلة سو» و«عائلة تشو زي»، وإذا أرسلوا مزارعاً من «مرحلة تأسيس الأساس»، فقد يجدون أنفسهم غارقين في فخٍ محكم.
في ظل قواعد «مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف» وضغط «عائلة تشو زي»، ألم يكن دخولهم في صراعٍ مباشر نوعاً من الانتحار؟
«لا بأس، طالما أن جانغ شي تشينغ لا يملك حبة تأسيس الأساس، فسنقتله داخل العالم المحرم». «الأهم هو شخص من عائلة تشو زي، إذا حصلوا على جوهرة العالم المحرم وارتقوا مجدداً، فستكون تلك كارثة...»
لم يطل بقاء نظر «وانغ هايوي» على «غو لوه شنغ»، بل سرعان ما تحولت عيناه نحو عبقرية الجيل الحالي في «عائلة تشو زي».
لقد مرت عشر سنوات، وكان سعيه لقتل «غو لوه شنغ» مجرد إجراءٍ وقائي ضد تهديدٍ لا يراه جوهرياً. لكن عبقرية «عائلة تشو زي» كانت كالخنجر في جنبه، فإذا نجحت في «تأسيس الأساس» باستخدام الكنز الغامض، فستصبح «عائلة وانغ» على حافة الفناء.
كانت الفتاة التي ينظر إليها «وانغ هايوي» فتاةً ضئيلة الحجم، ذات ملامح طفولية، تُدعى «مو ليو ليو». كانت تقف وسط الحشود بزيها الأحمر، خاليةً من أي تعبير، كأنها دميةٌ متقنة الصنع.
«عائلة تشو زي» هي في الواقع تحمل لقب «مو»، و«مو ليو ليو» تنتمي بوضوحٍ للنسل المباشر للعائلة. كان زيها الأحمر يرمز إلى كونها تلميذةً وريثة، وهو شرفٌ لا يحظى به سوى القلة في «وادي الزهور المئة».
نظر إليها العديد من المزارعين بعيونٍ تغلي بالحسد والغيرة. على عكس تلاميذ الطائفة الداخلية، تحظى التلميذة الوريثة بكل موارد الوادي؛ فبمجرد طلبها لـ "حبة تأسيس الأساس"، تُمنح ثلاث حبات دفعةً واحدة، وإذا لم تكفها، يمكنها طلب المزيد بسعرٍ زهيد. إنها امتيازاتٌ لا تُصدق لمن يسعى إلى طريق الخلود.
لكن للأسف، كانت هذه الامتيازات حكراً على العائلات الكبرى؛ فلكي تصبح تلميذاً وريثاً، يجب أن تنتمي لتلك العائلات، وإلا فلا قيمة لموهبتك مهما بلغت. وهذا تحديداً ما كانت «عائلة وانغ» تطمع في انتزاعه.
لو نالت ذلك، لضمنت ظهور مزارعين في «مرحلة تأسيس الأساس» باستمرار، ولما شهدت أي مرحلة انحدار.
«هذه الفتاة... يجب أن تموت».
لم تكن تلك المرة الأولى التي يشعر فيها «غو لوه شنغ» بنظرات «وانغ هايوي». بل إنه استشعر نظراتٍ أخرى مليئة بالشر تجاهه. خمن أنها إما من «عائلة وانغ» أو ممن يتحالفون معهم.
بعد تحالفه مع «عائلة سو»، حصل على دعمٍ وفير من الحجارة الروحية، مما جعله يتخلى عن خططه في صيد الوحوش ويبقى حبيس كهفه ليدرس ويطور نفسه، فكيف له أن يثير حفيظة أحد؟
هل يمكن أن تأتي المصائب من السماء؟
وفجأة، اكتشف «غو لوه شنغ» أن المصائب قد نزلت من السماء فعلاً.
تقدمت الفتاة ذات الرداء الأحمر نحوه، وثبتت نظراتها الزمردية عليه طويلاً، ثم قالت: «جانغ شي تشينغ؟»
في تلك اللحظة، تضاعفت حدة النظرات الشريرة الموجهة إليه.
تغير وجه «غو لوه شنغ» للأسوأ. كان يعرف تلك الفتاة جيداً، فالتلاميذ الورثة قلة، وقد درس خلفياتهم جميعاً. لم يسمع قط أن ابنة «عائلة تشو زي» المباشرة تبحث عن أحدٍ مثله!
«أيتها الأخت الكبرى مو... هل من أمرٍ تودين توجيهه لي؟» قال «غو لوه شنغ» ببطء.
نظرت إليه «مو ليو ليو» وهزت رأسها قائلة: «أنت أكبر مني سناً، يجب أن تدعوني بالأخت الصغرى».
«هاها، أيتها الأخت الكبرى مو، أنتِ تمازحينني؛ فالتلميذ الوريث يبقى أخاً أكبر بغض النظر عن العمر». تيبست زوايا فمه.
«أيتها الأخت الصغرى...» كانت «مو ليو ليو» متمسكةً بهذا اللقب بشدة، وأكدت عليه مجدداً.
«ما الذي تطلبينه مني يا أختي الكبرى؟» تجاهل «غو لوه شنغ» إصرارها، وقرر التمسك بالقواعد.
تشتت انتباه «مو ليو ليو» قليلاً، فقالت: «عليك أن تدخل العالم المحرم معي وتساعدني في تحقيق النصر. يمتلك العالم المحرم آليةً خاصة، حيث يمكن لمن يتصل بطاقته الروحية مع الآخر أن ينتقل إلى نفس الموقع، وعلى الرغم من عدم مشاركة مكافأة النصر، يمكنك على الأقل الارتقاء للجولة التالية والحصول على "تلقين العالم المحرم"».
تلقين العالم المحرم.
بعد ظهور الفائز، لا يُطرد الآخرون مباشرة، بل يمكنهم دخول الطبقة التالية لمواصلة التدريب. وذاك التلقين هو مكافأة الارتقاء، حيث يعزز قوة المزارع بشكلٍ كبير ويترك أثراً سحرياً يضمن عدم تراجع قوته حتى لو فشل في «تأسيس الأساس».
كان ذلك كفيلاً برفع احتمالات «تأسيس الأساس» قليلاً. لكن «غو لوه شنغ» كان يطمح للفوز بالجائزة الكبرى، ولم يكن مهتماً بمساعدة «مو ليو ليو».
عقد حاجبيه ونظر بعيداً إلى «مو ليان»، التي كانت تقف فوق السماء وتتحدث مع مزارعي «مرحلة تأسيس الأساس» من الطوائف الأخرى. وكأنها استشعرت نظراته، التفتت «مو ليان» وأرسلت رسالةً روحيةً اخترقت عقله: «ساعد ليو ليو جيداً، وإذا أثبتَّ كفاءتك، فمن يدري؟ ربما تحظى بمودتها وترتبط بها. إنها تمتلك "عين الروح" أيضاً، ولو أنجبتما طفلاً، فقد يرث خصائص العين لدى الطرفين، وهذا خيارٌ أفضل بكثير من نساء العامة».
لقد تغير موقف «عائلة تشو زي». كانوا في السابق يخططون فقط لتزويجه بإحدى نسائهم بعد تأسيسه للأساس، لكنهم الآن مستعدون لتقديم ابنتهم المباشرة!
لم يجب «غو لوه شنغ»، بل ظل يراقب «مو ليو ليو» بصمت.
كم هو مؤسف، فلم يعد بحاجةٍ لقوة «عائلة تشو زي»، وهذا الوعد لا يعني له شيئاً. لو لم تكن قواه قاصرة، ولو لم يكن مقيداً بالبقاء في هذا العالم، لولى هارباً بعيداً عن هذه الفتاة.
لم تكن هذه التجربة بالنسبة له مجرد فرصةٍ للحصول على كنز «تأسيس الأساس»، بل كانت فرصةً ذهبيةً لجمع المعرفة. إن هؤلاء العباقرة من «تحالف الأرواح الخمسة» ليسوا سوى كنوزٍ تمشي على قدمين.
اعتبرت «مو ليو ليو» صمت «غو لوه شنغ» موافقة، فمدت يدها وأمسكت بيده، ليتدفق تيارٌ من الطاقة الروحية ويربط بينهما.
كان ملمس يدها ناعماً ودافئاً، لا يقل عن ملمس «سو سويا»...
ومضت هذه الفكرة في ذهن «غو لوه شنغ». لابد من الاعتراف بأن عائلات المزارعين تفيض بالجميلات؛ كنّ كلهن فاتناتٍ لدرجةٍ يصعب معها الشعور بالنفور.
ومع ذلك، العمل يقتضي الحزم، وطريق الخلود هو الطريق الحق، ولو استطاع لترك يدها فوراً.
في تلك اللحظة، شعر بزيادةٍ حادة في النظرات الشريرة من حوله، وكان الكثير من المزارعين ينظرون إليه بوجوهٍ خاليةٍ من التعبير. يبدو أن «مو ليو ليو» تحظى بشهرةٍ واسعة!
«من هذا الشخص؟ ولماذا تبدو مو ليو ليو قريبةً منه هكذا؟» تساؤلٌ دار في أذهان الكثيرين.
لقد كانت ملامح «مو ليو ليو» وأناقتها تجذبان الأنظار، وقد أسرت قلوب الكثيرين من النظرة الأولى. ومن الطبيعي أن يرغب هؤلاء في حمايتها، ويكنّوا العداء لمن يقترب منها كثيراً مثل «غو لوه شنغ».
«إنه مجرد مزارعٍ ارتقى من الطائفة الخارجية... أتذكر أنه مقربٌ جداً من عائلة سو، يُدعى جانغ شي تشينغ، لا يستحق الذكر». «لقد تدهورت عائلة تشو زي حقاً، لدرجة أنها باتت تصاحب تلاميذ الطائفة الخارجية». «إذا قلبت صفحات التاريخ، فلن تجد يوماً لا يغيب فيه شمسُ قوةٍ ما، حتى كياناتٌ عملاقة كـ "مدينة أرواح الزهور العشرة آلاف" قد تنهار يوماً، فما بالك بعائلةٍ صعدت قبل بضع مئاتٍ من السنين فقط!»
اهتزت السفينة الروحية وبدأت في الهبوط.
وفجأة، رأى الجميع شخصيةً متلألئة تنطلق من سفينة «البلور الجليدي»، حيث كانت قوتها مستمدةً من جوهر الجليد.
«فن الأيام التسعة للثلج والجليد!»
مع صرخةٍ خافتة، تغير لون العالم، وغطاه ضبابٌ أبيض كثيف، وانبعث بردٌ قارس من أعماق القلوب. وفي أقل من لحظة، حين نظروا مجدداً إلى الأسفل، وجدوا أن المستنقع السام قد تحول تماماً إلى مساحةٍ من البلور الجليدي، تمتد لعشرات الأميال حتى لا يرى لها نهاية.