حلقة الحتمية - الفصل 50
لقد نوت أورور طمأنته بأن التسلسلات التي ليس لديها علاقة بإلقاء التعاويذ عادة ما يأخذون عدة محاولات في التأمل لكي ينجحوا. حتى أن البعض إضطرَّ إلى التدرب لخمسة أو ستة أيام أو حتى أكثر من نصف شهر. ومع ذلك عندما رأت شقيقها يفتح عينيه لاحظت أن جبين لوميان كان غارقًا في العرق البارد والخوف واضحٌ في عينيه.
“ما الخطب؟” سألت أورور بقلق.
أخذ لوميان نفسًا عميقًا. كلما فكر في الأمر كلما زاد خوفه.
“لقد تأملت بنجاح. بدا أن ذهني قد طفى وأُحيط بعدد لا يحصى من الألوان وضباب رمادي باهت لا يوصف. وجدت أضواء قليلة ساطعة ونقية بشكل خاص في الأعلى. لا ربما لم تكن بالأعلى. كانت بعيدة. لا يمكنني أن أكون متأكدًا.”
“من وصفك يبدو أنك نجحت.” أوضحت أورور. “ما يراه إسقاطك النجمي أو يشعر به هو عالم الروح. العديد من مفاهيم الواقع إما ليست موجودة أو تختلط. لهذا تشعر وكأنك عالي في السماء ولكن بعيد في نفس الوقت.
“تلك الأضواء السبعة هي الأضواء السبعة لعالم الروح المذكورة في النصوص القديمة. يُعتقد أنها قريبة من مستوى الآلهة وكُليَّةُ العلم. علاوة على ذلك فهي تعتبر كيانات خفية وَدودَةٌ نسبيًا. إذا كان بإمكانك معرفة أسمائهم الشرفية الكاملة يمكنك أن تصلي لهم، ولسوء الحظ أنا لا أعرفها أيضًا.
“تلك الأشياء التي لا توصف والتي تتجول في كل مكان تنتمي إلى عالم الروح لكن يبدو أنك لم ترَ الكثير ولم تدركها بوضوح. من المحتمل أن ذلك بسبب محدودية تسلسل الصياد. روحانيتك ليست عالية بما يكفي. همم… تفعيلك لرؤيتك الروحية لاحقًا قد يكون صعبًا. وبالتأكيد لن يكون التأثير النهائي مثيرًا للإعجاب. ومع ذلك فهو أفضل من لا شيء.”
لقد كانت تراقب حالة شقيقها، مستعدة للتدخل ومساعدته في أي لحظة.
برؤية لوميان يعود إلى وضعه الطبيعي تدريجيًا أنهت ما أرادت قوله في نفس واحد وسألت، “لكن ما رأيته لا يجب أن يخيفك. ألا تُعرف بإسم لوميان الشجاع؟ مؤخرًا واجهت حلقة زمنية، أشخاص تحولوا إلى أغنام، رجال يلدون، ودوريات السيدة ليل. كيف يمكن لمخلوقات عالم روح عادية أن تخيفك؟”
اهتزت عروق جبين لوميان عندما سمع كلمات أخته. لم يكن يريد أن يتذكر أي شيء، لا سيما أي شيء يتعلق بالسيدة بواليس.
زفر وقال، “لقد شعرت بشيء عميقًا داخل عالم الروح أو بالأحرى عاليًا للغاية، يراقبني. فقط كوني تحت مراقبته أرعَبَني. لم أستطِع إلا الخروج من حالة التأمل.”
أومضت رموش أورور وهي تقول بتمعن، “أظن أن لِـذلك علاقة بالرمزين الغريبين اللذين ذكرتهما على صدرك. إنهما ينطويان على كيان خفي. أو قد يشيران إلى مصدر حلقة كوردو أو قد يمثلان ‘ميزتك’ الخاصة التي تسمح لك بالحفاظ على وعيك وقوتك في الحلم والحلقة. كَـصياد نجحت في التأمل الكامل في محاولتك الأولى. من المحتمل جدًا أن يكون الرمزان قد أثرا في ذلك.”
أومأ لوميان وهو يستمِعُ مُتَفِقًا مع أخته. هذا الإدراك تركه محبطًا إلى حد ما.
“في هذه الحالة لا يمكنني التأمل. بمجرد أن أنجح سأُراقَبُ وأُجبَرُ على ترك تلك الحالة. بالإضافة إلى ذلك لا أعتقد أن المراقبة المستمرة أمر جيد.”
“أتعتقد أنك لست مراقبًا الآن؟” لم يسَع أورور إلا أن تضحك. “كل ما في الأمر أنك لا تستطيع الشعور به دون أن تكون في حالة التأمل. نظرًا لأنه لا توجد طريقة لتفاديه ومن المؤكد أنك ستعاني من الضرر فمن الأفضل القيام بالمزيد من المحاولات لزيادة مقاومتك مما سيتيح لك الإستمرار لوقت أطول في التأمل. في المستقبل عند مواجهة مواقف معينة قد يمنحك هذا ميزة. بالطبع قبل أن تصبح بالتسلسل 7 مفتعل حرائق لا يحتاج الصيادون إلى تأمل عميق. من الأفضل الإنتظار حتى تتحسن روحانيتك قبل المحاولة مرة أخرى.”
“لماذا يبدو ذلك محبطًا بعض الشيء؟” كان لوميان قد تعافى بالفعل وسخر من مأزقه. “بما أنني لا أستطيع المقاومة فَـلِـمَ لا أستمتع بذلك.”
شخرت أورور.
“في وضعنا الحالي أُفَضِّلُ أن أمتلك سمة فريدة مثل سماتك. حتى لو كان ذلك يعني مواجهة العديد من الأخطار والتحديات غير المعروفة. على الأقل يمكنني الإحتفاظ بذاكرتي خلال الحلقة التالية. لن أحتاج منك أن تذكرني، مما يوفر الكثير من التفاصيل.”
ثم نظرت من النافذة المظلمة.
“حان الوقت لتعليمك كيفية تفعيل الرؤية الروحية.
“إستمر في الجلوس وحاول التأمل مرةً أخرى. لست مضطرًا للدخول في الحالة أين تطفو أفكارك. على الرغم من أن ذلك سيكون أكثر ملاءمةً لتفعيل رؤيتك الروحية، ألا توجد كيانات خفية تراقبك؟”
“نعم.” انحنى لوميان على كرسيه وأرخى جسده. لقد تصور أولًا الشمس في ذهنه ثم إستبدلها بالكرة التي رسمتها أخته عشوائيًا.
لم يكرر عملية التحديد، ولم يتوقف إلا عندما كان جسده وعقله هادئَين.
راقبت أورور حالته وقدمت صوتًا مهدئًا.
“ارفع يديك في حالتك الحالية وضَعهُما أمام عينيك. يمكنك فتح عينيك الآن.”
حافظ لوميان على هدوئه وهو يفتح عينيه ببطء. في مرحلة ما كانت أخته قد أطفأت مصباح الكيروسين وألقت الطابق الأول في الظلام. كان ضوء القمر القرمزي خارج النافذة هو الشيء الوحيد الذي أضاء الحدود التقريبية للأشياء.
بمجرد أن إعتادت عينا
ه على الظلام، بالكاد إستطاع رؤية يديه.
“أشر بأصبعيكَ السبابة لبعضهما البعض دون ملامستهما. ثم ركز على ظهر يدك الذي يمكن أن يكون ظهر النقطة المعاكسة.” قدمت أورور تعليمات. “بعد الإنتهاء من هذه الخطوة حرك أصبعيكَ ببطء مع إبقائهما في مواجهة بعضهما البعض دون الملامسة. وتذكر، لا يمكنهما ترك بصرك.”
إتَّبعَ لوميان إرشاداتها وركز نظره على المساحة الفارغة خلف يديه وهو يحرك أصابعه.
على الرغم من تكرار العملية لمرات لا تحصى إلا أنه لم يرَ أي تغييرات.
بعد فترة وجيزة لم يستطِع الحفاظ على حالة التأمل وخرج منها.
“أرأيت أي شيء؟” سألت أورور.
هز لوميان رأسه.
“إنه أمر صعب على الصيادين. لا تزعج نفسك. إذا لم ينجح الآن فسوف ينجح لاحقًا. إذا لم يحدث اليوم فقد يحدث غدًا.” قالت أورور. “لا تقلق. حتى الأشخاص العاديون ذوي الروحانية العالية يستطيعون تنشيط رؤيتهم الروحية بعد التدريب الإحترافي ناهيك عن المتجاوزين. لكن النتائج تختلف.”
‘إذا فشلت هذه الحلقة يمكنني المحاولة في المرة القادمة ولكن إذا لم تنجح تلك فقد لا تكون هناك فرصة أخرى…’ فَكَّرَ لوميان مع نفسه.
كان صبورًا ومرنًا. بعد الراحة وإستعادة بعض القوة حاول مرة أخرى.
بعد عدة محاولات رأى أخيرًا نقطةً حمراء نارية تخرج من الفراغ بين أصبِعَي السبابة خاصته.
‘نجاح!’ شعر لوميان بسعادة غامرة. إلتفت إلى أخته.
لكنه رأى بعد ذلك ضوءًا أحمر يشع من جسد أورور يحيط بها بالكامل.
“ألم تقولي أنك سَـتستطيعُ رؤية الألوان المختلفة لجسد الأثيري؟” سأل لوميان مرتبكًا.
سألت أورور بحماس “هل نجح؟”
أومأ لوميان وسرد تجربته.
“إنه نجاح.” تنهدت أورور بإرتياح، “أنت مثير للإعجاب. ربما يرجع ذلك إلى تحسيناتك ‘المميزة’. سيحتاج الصيادون الآخرون إلى أسبوعين على الأقل من التدريب وقد يتعين على البعض الوصول إلى التسلسل 8 قبل أن يتمكنوا من تنشيط رؤيتهم الروحية بسهولة. لا يمكنك إلا رؤية الجسد الأثيري بضبابية. اللون الأحمر يعني أنني بصحة جيدة. لن تكون قادرًا على رؤية الكثير مع قوة جسدك الروحي الحالية كصياد.”
سحبت زجاجةَ حبرٍ صغيرة وفكت الغطاء.
“دعنا نرى ما إذا كان بإمكانك رؤية الورقة البيضاء.”
ركز لوميان ورأى فقاعة شفافة تخرج من الزجاجة.
كانت مشابهةً للفقاعات التي صنعها أثناء نفخ الماء والصابون، بحجم قبضة اليد تقريبًا وملونةٌ بالأحمر بضوء القمر.
بالكاد إستطاع أن يتتبعها وخشي أن يفقدها إذا رمش بعينه.
طفت الفقاعة بإتجاه كف أورور وداعبته بإبهامها مما تسبب في تقلصه وتمدده.
قام لوميان بتهدئة نفسه وأبلغ عما رآه لأخته.
“انها ضبابية؟” هزت أورور رأسها. “الرؤية الروحية للصياد محدودة. لا يمكنك إلا إدراك المفاهيم الأساسية للجسد الأثيري والمخلوقات مثل الورقة البيضاء. معظم الأشياء غير مرئية.”
إستجاب لوميان لِـما قالته أخته للتو، “إنه أفضل من لا شيء.”
نظرًا لأنه لم يختبر أبدًا رؤية روحية أقوى فقد كان راضياً عن وضعه الحالي.
ساعدت أورور لوميان بإستخدام التأمل لإيقاف تنشيط رؤيته الروحية وإنشاء محفزات تنشيط وإلغاء تنشيط بسيطة.
تدرب لوميان مرارًا وتكرارًا حتى أتقن الطريقة ولكنه لم ينجح أبدًا في ‘المفتاح السريع’ الذي ذكرته أورور. لقد فهم المفهوم بشكل غامض فقط.
“خذ قسطًا من الراحة. سنراقب نائب الأب لاحقًا بحثًا عن أي شذوذ.” نصحت أورور ملاحظةً وجه لوميان الشاحب من روحانيته المستنزفة. حثَّتهُ على الراحة.
صعد لوميان وأورور إلى الطابق الثاني وقاما بإضاءة المصباح في المكتب. وقع لوميان في النوم على الكرسي بينما قرأت أورور في إنتظار تعمق الليل.
نام لوميان أخيرًا وأجبر نفسه على البقاء نائمًا بدلًا من إستكشاف عالم الحلم.
أيقظته أورور بعد فترة وجيزة.
“يمكننا مراقبة نائب الأب الآن.”
“حسنًا.” جلس لوميان وواجه أخته.
فتحت أورور زجاجة حبرٍ مصغرة وضغطت الورقة البيضاء بيدها اليمنى وعيناها تظلمان.
بمساعدة العقد تلت في هيرميس، “مخلوقي المتعاقد إحمل تفرد عيناي.”
لم يستطِع لوميان فهم أو رؤية أي شيء بدون رؤيته الروحية. إنتظرَ بصبر.
في ثوانٍ معدودة سحبت أورور يدها وجلست.
“الورقة البيضاء في طريقه إلى منزل نائب الأب.”
تفقد لوميان المشهد ولاحظ أن عيون أخته قد عكست الأشجار المتمايلة في الظلام وليس المكتب أو نفسه.
تُركت الأشجار في الخلف بسرعة.
‘هذا ما يراه الورقة البيضاء؟’ أدرك لوميان.
أخرجت أورور مرآةً مغطاةً بالزئبق ورشَّتها بمسحوق أبيض فاتح.
سرعان ما أزهر المسحوق بالضوء ليغطي المرآة بطبقة مائية.
في الماء ظهر نائب الأب ميشيل غاريغ.
وصل الورقة البيضاء إلى غرفة الهدف وأطلَّ من خلال نافذة زجاجية.
نام ميشيل غاريغ بهدوء وعيناه مغمضتان و تنفسه ثابت.
إنتظرت أورور ولوميان بصبر مُراقبَينِ من جميع الزوايا بإستخدام الورقة البيضاء.
فجأةً فتح ميشيل فمه قليلاً وخرجت شخصية ضبابية شفافة.
لقد كان شيئًا يشبه السحلية.
فصل اليوم، أرجو أنه قد أعجبكم~
أراكم غدًا إن شاء الله~
إستمتعوا~~