الانحدار المطلق - الفصل 2: هل دفعتَني بعيدًا؟
مضى جريانُ الزمنِ القاسي بلا هوادةٍ ولا رحمة.
ظلَّ العالَمُ مِلْكًا لهوا مووغي. بحسبِ الشَّائعات، صارَ هوا مووغي أقوى. ظلَّ يسعى بلا كللٍ نحوَ الحقيقةِ القصوى لفنونِ القتالِ عبرَ تدريباتٍ لا تنتهي.
كانَ العالَمُ يحكُمهُ اثنا عشرَ مِنْ أخلصِ أتباعه، سُمُّوا “ملوك البروج الاثني عشر”.
رغمَ أنَّ “السيد المطلق” وحَّدَ عالمَ القتال، إلا أنَّ الحياةَ لم تتحسَّن. بل ازدادَتْ قسوةً. انتشرَ الظلمُ جنبًا إلى جنبٍ مع ملوك البروج. مَنْ أرضاهم نالَ الشهرة، ومَنْ تحدّاهم فقدَ الحياة. صارتِ الحياة أقسى ممّا كانت عليه حينَ كانتِ الفصائلُ منقسمةً.
في المُقابل، ظلَّ ‘التَّحالفُ القتالي’، ‘تحالفُ الشر’ و’طائفة الشياطين السماوية’ عاجزينَ عن كسرِ ختمِ العزلة.
قالَ الجميعُ: “طالما لا يزال هوا مووغي حيًّا، فلن يُفتحَ الختم أبدًا”.
لمَّا بلغَ اليأسُ مبلغه، وكادَ الظنُّ يغلِبُ بأنَّ الرجلَ ماتَ في وادٍ مجهولٍ، عادَ الرجلُ المجهولُ.
حينَ التقيا أوَّلَ مرَّةٍ، كانَ في ريعانِ شبابِه، أمَّا الآنَ فقد صارَ رجلاً أشهبَ في منتصفِ العمر، يشعّ منه وهجُ نضجٍ غير مسبوقٍ .
تغيَّرَ تمامًا. اسمرَّ وجهُهُ وجسدُهُ كأنَّه طافَ العالمَ، وظهرتْ عليهِ ندوبٌ جديدةٌ. رغمَ مظهرِهِ المُخيف، ظلَّتْ عيناهُ كما كانتا: باردتانِ صافيتانِ، هادئتانِ عميقتانِ، تمامًا كيومِ لقائهما الأوَّل.
“تفضَّل، هذا هو جوهرُ الشبوطِ ذو العشرةِ آلافِ عامٍ.”
الدُّفعةُ التي سلَّمَها احتوتْ جوهرَ الشبوطِ حقًّا.
“إنَّهُ حقيقيٌّ!”
ارتَجَفَ صوتُ سيو غونغ.
“كيفَ حصلتَ عليهِ؟”
“فتَّشتُ كلَّ مكانٍ مُمكنٍ. أستطيعُ القولَ بفخرٍ: تسلُّقُ الجبالِ، السِّباحةُ، الغوصُ، التخييمُ — أنا محترفٌ فيها جميعًا. أرسمُ خريطةَ تشونغ يوانَ وأنا معصوبُ العينين.”
“هذا مذهلٌ حقًّا.”
“الأكثرُ إذهالًا ليسَ حصولي عليهِ، بل ألَّا أجنَّ في هذهِ الرحلةِ.”
خطرتْ لسيو غونغ فكرةٌ. لعلَّ هذا الجوهرَ لم يكُنْ سوى إرادةِ الرجلِ ذاتِها. بينما كانَ يتخيَّلُ إرادةً زرقاءَ تتشكَّلُ أمامَهُ، عاجلَهُ الرجلُ:
“إذًا، ما المادةُ التاليةُ؟”
“ألا تُريدُ الافتخارَ؟”
ماذا عاشَ من مغامراتٍ خارقةٍ ليُجمِّعَ تلكَ المكونات؟ لو كانَ هو، لَمَا استطاعَ كتمَ حديثِ انتصارهِ.
“سأفتخرُ لاحقًا، بعدَ أنْ أقتلَ ذلكَ الوغدَ وأُلقي بجثَّتِه. سأكرِّرُها مرارًا، وأحنِّطُهُ، وأفتخرُ بذلكَ طيلةَ حياتي. فقطْ ليعرفَ الجميعُ أنِّي قتلتهُ…”
“غريبٌ أن أسمعَ منكَ مزاحًا كهذا!”
تَمنَّى سيو غونغ أن يضحكَ ويثرثرَ مع هذا الرجلِ، يناقشانِ فنونَ القتالِ والحياةَ. لكنَّ الرجلَ ظلَّ مشغولاً كالعادةِ.
“إذًا، ما المادةُ الرابعةُ؟”
“مالٌ.”
بسؤالٍ استفهاميٍّ، ردَّ الرجلُ:
“كمْ تحتاجُ؟”
“خمسةُ ملايين نيانغ.”
مبلغٌ خياليٌّ، لكنَّ ردَّ فعلِ الرجلِ كانَ ثابتًا:
“سأحضرُهُ.”
عرفَ سيو غونغ أنّ الرجلَ سيقفزُ قائلاً ‘سأُحضِرُهُ’ حتى لو طُلِبَ عشرةُ ملياراتٍ.
ربَّما يضيفُ مازحًا: ‘ألَا أقتلُكَ فأرتاحَ؟’
لكنَّهُ ظل صامتًا يسيرُ نحوَ هدفِهِ. كانَ سيو غونغ يشهدُ إرادةً مرعبةَ القوةِ.
“انتظرْ لحظةً.”
“ماذا؟”
“سأتحمَّلُ المالَ. ادَّخرتْ عائلتُنا مالاً عبرَ الأجيالِ لهذهِ التقنيةِ. سأستخدمُهُ.”
“لماذا؟”
“لأنَّ نجاحَ التقنيةِ هو أمنيةُ عائلتي أيضًا.”
“حسنًا. شكراً لك من أعماق قلبي، لقد اختصرتَ علينا أعواماً طويلة.”
كانَ الرجلُ سعيدًا حقًّا.
“هل تشربُ معي اليومَ إذًا؟”
“كأسٌ واحدةٌ ثمَّ أمضي.”
“يا صديقي قاسي القلبِ!”
أحضرَ الشرابَ وجلسَا جنبًا إلى جنبٍ على صخرةٍ في الفناءِ، يَصُبّانِ ويشربانِ.
تذوَّقَ الاثنانِ الشرابَ ببطءٍ.
“حينَ التقينا أولَ مرّةٍ، كُنَّا نَفِيقُ حيويَّةً.”
“جسدي يشيخُ، لكنَّ قلبي كما هوَ. أحاولُ جاهدًا أن أعيشَ شبابيَّ.”
“لماذا هذا الجهدُ؟”
“لأنِّي سأعودُ شابًّا. سواءٌ أوصلت للخمسينَ أو المائةِ، فأنا ذاكَ الشابُّ الذي أتاكَ يومئذٍ. وقَفَ زمني عندَ تلكَ اللحظةِ.”
لو سمعَ هذا الكلامَ أوَّلَ لقاءٍ لظنَّه ضربًا من الخيالِ. لكنَّهُ الآنَ يعرفُ إرادةَ الرجلِ.
“إذا نجحتِ التقنيةُ، وعُدْتَ إلى الماضي، أتسمحُ لي بطلبٍ؟”
“تَفَضَّل.”
“تعالَ فورًا وَجِدْني.”
“ثمَّ ماذا؟”
أطلقَ سيو غونغ زفيرًا طويلاً:
“أَوقِفْ زواجي!”
انفجرَ الرجلُ ضاحكًا:
“هاهاها!”
أوَّلَ ضحكةٍ لهُ منذُ لقائهما.
“لستُ أمزحُ! أرجوكَ، أوقِفْهُ.”
“أهذا أهمُّ مِنْ خمسة
ِ ملايينَ نيانغ؟”
“هو الأهمُّ لي. أفضِّلُ العيشَ وحيدًا للأبدِ. افعلْ ذلكَ من أجلي.”
“حسنًا.”
حدَّدَ لهُ تاريخَ الزواجِ، وأصرَّ:
“أُقسم لي. أُقسمْ أنَّكَ ستوقِفُهُ!”
“أقسِمُ.”
أفرغا الكأسَ.
“ما المادةُ الأخيرةُ؟”
“شيءٌ تعرفُهُ.”
“ما هو؟”
“الرُّوحُ الشيطانيَّةُ السِّرِّيَّةُ.”
أظلمَتْ عينا الرجلِ.
“تذكارٌ لوالدكَ الرَّاحلِ.”
“أعلمُ. ما فارقَهُ أبِي طرفةَ عينٍ.”
“أمعك إيَّاها؟”
هزَّ رأسَهُ.
“أتعرفُ مكانَها؟”
“لا.”
“ماذا لو كانَ هوا مووغي قد استولى عليها؟”
“عندها يضيعُ تعبي. حتَّى لو بقيتْ مع طائفتِنا، فالحصولُ عليها ليسَ سهلًا.”
طائفة الشياطين السماوية الآنَ مختومةٌ، يقودها زعيمٌ جديدٌ.
رغمَ أنَّ ختمَ هوا مووغي يمنعُ فتحَها، إلا أنَّ الطائفةَ تقوَّتْ عبرَ السنين.
بصفتهِ ابنَ الزعيمِ السابقِ، يعلمُ أنَّهم سينكرونَهُ. بل سيقتلُهُ الزعيمُ الجديدُ ظنًّا بأنَّهُ ميتٌ.
“لنأملْ أنَّها ما زالتْ في حوزةِ الطائفةِ.”
“لا تتأخَّرْ. أنا أيضًا أشيخُ.”
“لا تَمُتْ قبلَ عودتي. شكرًا على الشرابِ.”
أفرغَ كأسَهُ وغادرَ.
لم يَعُدِ الرَّجُلُ الذي غَادَرَ هَكَذَا. وَلَمْ تَصِلْ أَخْبَارٌ عَنْ أَيِّ اضْطِرَابَاتٍ في طائفة الشياطين السماوية أَيْضًا. رُغْمَ ذَلِكَ، ظَلَّ سيو غونغ يُصْغِي بِاهْتِمَامٍ دَائِمًا.
ومعَ مرورِ السنينَ، شاخَ سيو غونغ، وتفتَّحَتْ زهرةُ الموتِ على وجهِهِ.
حتَّى اليومَ، ظل يجلسُ على الشُّرفةِ شاردًا، يحدِّقُ في الموضعِ الذي اعتادَ الرجلُ الوقوفَ فيهِ.
ثمَّ دَلَكَ عينيهِ كأنَّهُ يرى وَهْمًا…
كانَ الرجلُ نفسُهُ الذي غادرَ لجلبِ المادةِ الأخيرةِ.
تغيَّرَ كثيرًا. تشوَّهَ وجهُهُ حتّى صارَ شَخصًا آخَرَ، وفقدَ عينَهُ اليُمنى وذراعَهُ اليُسرى. غارقٌ في دماءٍ لا تَزالُ تقطُرُ.
أرهِقَ سيو غونغ منَ المنظرِ.
سلَّمَهُ الرُّوحَ الشيطانيَّةَ السِّرِّيَّةَ، وانهارَ على الأرضِ.
“كيفَ حصلتَ عليها…؟”
“… إلى مكانِ التنفيذِ…”
لم يعدْ لديهِ قوةٌ للردِّ.
أسنَدَهُ سيو غونغ إلى غرفةِ تقنيةِ الارتدادِ العظيمِ.
كانَ كلُّ شيءٍ جاهزًا.
المادةُ الأخيرةُ التي انتظراها.
وضعَ سيو غونغ الرُّوحَ في المركزِ. لمَّا اكتملَ النقشُ، اشتعلَ الضوءُ، وظهرتْ رموزٌ غريبةٌ.
بدأَ الترتيلُ.
انبعثَتْ أضواءٌ زرقاءٌ وحمراءُ. دقَّ جرسُ الرعدِ، وصعدَ البخورُ.
عندَ الذروةِ، اتحدتِ الموادُّ مُشكِّلةً بابًا ضوئيًّا.
“نجحنا!”
انفجرَ سيو غونغ فرحًا.
اقتربَ منَ الرجلِ المُغمى عليهِ:
“… آسفُ.”
عقدَ العزمَ على العودةِ.
“آسفٌ حقًّا.”
شعرَ بندمٍ أعمقَ وهو يعرفُ معاناةَ الرجلِ. لكنَّ استحالةَ تكرارِ الموادِّ جعلتْهُ يقررُ:
“أعدُكَ أن أنذرَكَ في الماضي.”
وقفَ متجهًا نحوَ الضوءِ:
“كانتْ أمنيةَ عائلتنا… أمنتي أيضا …”
حينَ همَّ بالدخولِ:
“آه!”
توقَّفَ فجأةً.
لقد أغلِقت نقطةُ ضغطِ الشيطانِ في ظهرِهِ!
“كيفَ فعلتَ هذا؟!”
وقفَ الرجلُ الذي ظنَّهُ فاقدَ الوعيِ:
“أيُّها الخائنُ!”
أمسكَ بعنقِ سيو غونغ الهشِّ.
“آسفٌ… جننتُ…”
ظنَّ أنَّهُ سيقتلُهُ.
لكنَّ الرجلَ أطلقَهُ:
“أنا أنانيٌّ مثلكَ. لو كانَ غيركَ لقتلتُهُ. أفهمُكَ.”
نظرَ إليهِ بعينينِ دافئتينَ:
“شكرًا لأنَّكَ انتظرتَني طوالَ حياتِكَ.”
ذرفَ سيو غونغ دموعَ ندمٍ.
سقطتِ الدموعُ، وتوقَّفَ الزمنُ!
ظهرَ رجلٌ عجوزٌ فجأة:
“اجتزتَ الاختباراتِ.”
“مَنْ أنتَ؟”
“مَنْ يُعيدُكَ للماضي.”
“أبشرٌ يعصي السماءَ؟”
رفعَ العجوزُ يدَهُ، فطافتِ الموادُّ الخمسُ:
“المكوناتُ الحقيقيةُ هي جهدُكَ، لا هذهِ الأشياءُ.”
اختفَتِ الموادُّ.
“اجتزتَ اختبارَ الغفرانِ.”
ارتجفَ الرجلُ:
“أإلهٌ ينتظرُ معاناتي؟!”
“الناسُ يرونني كلَّ يومٍ. لكنَّ طلبَكَ استثنائيٌّ.”
“أرسلني.”
“لماذا؟”
“لأقتلَ مَنْ يستحقُّ، وأنقذَ مَنْ لا يجبُ أن يموتَ.”
“ثمَّ؟”
“أعيشُ حياتي! وُلِدتُ مدفوعًا، أريدُ اختيارَ طريقي: شيطانٌ؟ ناسكٌ؟ محاربٌ؟”
ابتسمَ العجوزُ:
“أتوقُّ لرؤيةِ اختيارِكَ. لنشربْ معًا في لقائنا القادمِ.”
اختفى.
وعادَ الزمنُ.
توسَّلَ سيو غونغ:
“أوقفْ زواجي! مزِّقْ وثيقةَ الخطبةِ!”
ضحكَ الرجلُ:
“كعقابٍ لخيانتكَ، ستعيشُ ذلكَ الجحيمَ مرّةً أخرى!”
“لا! أتوسّلُ أليك!”
مشى نحوَ الضوءِ.
انفجرَ سيو غونغ صارخاً:
“أُريدُ العودةَ أيضاً… آه، خذوني!”