الانحدار المطلق - الفصل 168
كان حفل التكريم رائعًا كأنه بطولة أخرى لفنون القتال.
نال الفائز الميدالية الذهبية ومال الجائزة، لكن أعظم شرف في تلك اللحظة كان أن الزعيم جين بايتشيون نفسه هو من قدّمها.
هتف الأبطال باسم سو داريونغ، وقد غمره شعور غريب وهو يسمع صدى اسمه يتردد بين الحضور. لم يسبق له أن نال كل هذا الاهتمام في حياته، وربما لن يتكرر ذلك أبدًا.
حين سلّمه الزعيم الميدالية، قال له بابتسامة هادئة:
“لقد أظهرت مهارة متميزة، استمر في تكريس نفسك لسلام الموريم.”
“أشكرك، يا زعيم التحالف.”
لكن ما قاله الزعيم عبر التخاطر كان مختلفًا تمامًا:
إذا تجرأت على إيذاء أحد محاربي التحالف بتقنية النصل تلك، فسأتأكد بنفسي من موتك.
تقبّل سو داريونغ التحذير بصمت، مدركًا أنه نال أكثر مما يستحق، وهو الذي عُرف بانتمائه السابق إلى طائفة شيطانية. مجرد تلقيه جائزة كهذه كان أشبه بمعجزة.
أما جين هاريونغ، التي حلت ثانية، فحصلت بدورها على الميدالية الفضية ومال الجائزة.
“أحسنتِ الأداء.”
قال الزعيم بايتشيون.
“أنا آسفة يا جدي.”
“هل أدركتِ الآن مدى اتساع عالم الموريم؟”
“نعم. ظننت أنني تنين، لكنني لم أكن سوى ضفدع في بئر. سأعمل بجهد أكبر من الآن فصاعدًا.”
ابتسم الزعيم برضا، وربّت على كتفها بحنان.
نزلت جين هاريونغ من المنصة، وبينما كانت تحمل جائزتها، وقع نظرها على غوم موغوك في الجهة المقابلة من القاعة.
لوّح لها غوم موغوك بيده بابتسامة دافئة، كأنما يقول: أحسنتِ، يا صديقتي.
في تلك اللحظة فاضت عيناها بالدموع. لم تبكِ أثناء المعركة، لكن رؤيته الآن جعلت مشاعرها تنفجر بلا سبب واضح. لم تستطع أن تبكي أمام الجميع، فعجّلت خطاها حتى غادرت القاعة، خشية أن يُشاع أنها بكت من الإحباط أو الهزيمة.
ناداها أحدهم من الخلف، لكنها لم تلتفت. كان جو سوهيوب، حاملا في يده خنجرًا صغيرًا أعده خصيصًا لها، وقد نقش عليه: تهانينا على فوزك.
لكن كيف له أن يمنحها خنجرًا كهذا الآن وقد خسرت؟ لم يكن يتخيل نتيجة غير الفوز. كان يظن أنه سيقدمه لها بفخر بعد انتصارها، لا بعد هزيمتها.
“اللعنة… اللعنة على كل شيء!”
تمتم بغضب، وهو يرمق سو داريونغ محاطًا بالمهنئين.
“ذلك الوغد… كيف فاز؟”
اشتعلت نيران الغيرة في صدره. لقد فاز خصمه، والخادم الذي ظنه تابعًا حاول التقرب من المرأة التي كان ينوي الزواج بها. بدا له أن القدر يسخر منه بلا رحمة.
عاد إلى مسكنه متمتمًا بالسباب، لكنه ما إن فتح الباب حتى فوجئ برجل ينتظره هناك.
كان تشيول غوون، رسول زعيم المجتمع السماوي.
كان وقوفه هادئًا، لكن الهالة التي تنبعث منه جعلت سوهيوب يشعر بأن الغرفة تضيق عليه. لم يكن مجرد رسول عادي، بل قاتل يحمل بين عينيه تاريخًا من الدماء.
“أنت هنا؟”
قال جو سوهيوب متحفظًا.
“ألم تكن أنت من دعاني يا سيد جو؟”
“أنا؟ دعوتك؟”
“ألم تقل إنك واثق من الزواج بجين هاريونغ؟”
“بالطبع.”
تذكر سوهيوب كيف بدأ كل شيء قبل عام، حين خسر معركة الخلافة داخل عشيرته. ظهر حينها المجتمع السماوي، وقدّم له عرضًا لم يستطع رفضه:
انضم إلينا، وسنجعلك الوريث الشرعي.
أوفوا بوعدهم، لكنه ما إن أصبح الوريث حتى طلبوا منه مقابلاً: أن يتزوج حفيدة زعيم تحالف الموريم. لم يكن الشرط صعبًا، فالعشيرة التي ينتمي إليها ذات مكانة تسمح لها بعقد تحالف كهذا.
استغل بطولة التنين الشاهق ليقترب منها، واثقًا أن وسامته ووجاهته كافية لكسب قلبها… حتى ظهر ذلك الخادم الحقير الذي قلب الموازين.
“سمعت أنك تحالفت مع الخادم.”
قال تشيول غوون بنبرة باردة.
“هذا هراء. ذلك الرجل تابع لي.”
تأمل تشيول غوون ملامحه طويلاً. كانت نظراته كالسيف، باردة حدّ الألم. شعر سوهيوب بقشعريرة، فقد أدرك أن تلك الهالة القاتلة ليست تصنعًا، بل طبيعة متأصلة فيه.
“قلت إنه تابع لك؟”
“استعنته لأضمن الزواج من جين هاريونغ. سأستخدمه وأتخلص منه لاحقًا.”
لم تكن كذبة تمامًا، فقد وعده سوهيوب بمكافأة كبيرة لقاء مساعدته، وهو يعلم أنه لن يدفع له فلسًا.
ابتسم تشيول غوون بخفوت، ثم سار نحو النافذة.
“انظر هناك، تلك الشتلة المكسورة. دست عليها صدفة وأنا في طريقي إلى هنا. زُرعت قريبة جدًا من غيرها، فلم يكن لها أن تنمو.”
ثم التفت إليه قائلاً ببرود:
“نريدك أن تنمو لتصبح شجرة عظيمة.”
أدرك سوهيوب المعنى الحقيقي وراء تلك الجملة: لا أحد منهم يهتم به. بالنسبة لتشيول غوون، هو مجرد أداة.
كتم غضبه وقال بصوت خافت:
“لن أخيب ظنكم.”
ردّ تشيول غوون وهو يغادر:
“حضّر هدية الزفاف وانتظر التعليمات.”
ما إن خرج حتى زفر سوهيوب تنهيدة ثقيلة، تجمع فيها الغضب والخوف في آنٍ واحد. شعر أن حياته انقلبت إلى متاهة معقدة. لكنه أقسم في نفسه:
“سيأتي يوم أرد فيه كل هذا الدين، واحدًا واحدًا.”
“عشرة آلاف نيانغ كاملة!”
هتف سو داريونغ مبهورًا وهو يقلب كيس المال في يده. ثم ناولني نصف المبلغ.
“هنا، بما أننا فزنا معًا، خذ نصفه.”
“هل ستندم لاحقًا؟”
“خمسة آلاف أكثر مما أحتاج. سأعزم اللورد جانغ ولي آن على وليمة، وأيضًا…”
“وأيضًا؟”
“أشتري شيئًا جميلًا للمرأة التي شجعتني!”
ابتسمت وأنا أقول:
“هل رتبت لقاءها؟”
“ليس بعد، لا أعرف حتى اسمها. لكنني سأجدها.”
كان صادقًا في حماسه، مفتونًا بها بعمق.
“هل ستأتي إلى مأدبة التحالف الليلة؟”
“بالطبع.”
“سأذهب لأشتري ثوبًا أنيقًا للمناسبة، تعال معي؟”
“اذهب وحدك، اشترِ شيئًا يليق بك.”
“سأفعل! هذه المرة سأبدو رائعًا!”
رحل بخفة، وبقيت وحدي أتمتم في الهواء:
“آسف، لم أستطع إخبارك من قبل. الموقف كان عاجلًا.”
كنت أخاطب فنان القتال الذي أرسله زعيم التحالف لمراقبتي. ظل يرافقني بصمت، لا يتدخل، لا يعلق. رجل يطيع الأوامر فقط.
لم أُخبره أن تلك المرأة الغامضة تنتمي إلى المجتمع السماوي. لم أرَ ضرورة لذلك… بعد.
لم أدخل قاعة المأدبة. كان البطل الحقيقي هناك هو سو داريونغ. اكتفيت بالوقوف عند الحديقة الداخلية، أراقب من بعيد.
لكن جين هاريونغ ظهرت فجأة بجانبي.
“لماذا لا تدخل؟”
“أشعر بالاختناق وسط الزحام.”
“إذاً، فلنتمشَّ قليلًا.”
سرنا بين أزهار الحديقة المضيئة، وكانت تتحدث بسرعة غير معتادة، كأنها تحاول الهرب من أفكارها.
“كنت أنوي أن أمزح معك قبل المباراة النهائية، وأقول لك: ‘سأدع سيدك يفوز إذا طلبت بلطف.’ لكن… لم أتوقع أن أخسر هكذا.”
ثم تنهدت، وقالت بصوت خافت:
“عندما رأيتك بعد خسارتي، كدت أبكي.”
“لا بأس أن تخسري مرة واحدة.”
“مرة؟ شعرت حينها كأن العالم انتهى.”
ضحكت بخفة وهي تقول:
“حقًا، لا أريد أن أملك قلبًا هشًّا كهذا.”
“تحرري من عبء كونك حفيدة الزعيم. هو الزعيم، وأنتِ أنتِ. حققتِ المركز الثاني في بطولة عظيمة، وهذا يكفي.”
رفعت رأسها نحوي وابتسمت.
“رؤيتك تحاول مواساتي تجعلني أبتسم رغمًا عني.”
“يبدو أنني بارع في ذلك.”
“إذن، افعلها أكثر من الآن فصاعدًا.”
ظنت أنني سأبقى في التحالف مع سو داريونغ. لكني قلت بهدوء:
“قد أعود إلى مسقط رأسي.”
“إلى موطنك؟ لماذا؟”
ثم نظرت إلي بفضولٍ مشوبٍ بشيء من الغيرة.
“هل هناك فتاة هناك؟ امرأة تحبها؟”
“نعم.”
“أجمل مني؟”
“هناك امرأة أجمل منكِ.”
“هاه؟ إذن مصداقيتك انهارت للتو.”
“أنتِ الأجمل في هوبي… أما هي، فهي الأجمل في العالم.”
ضحكت جين هاريونغ، ظنّت أنني أمزح.
“عليك أن تريني تلك المرأة الأجمل في العالم في المرة القادمة!”
“إذا سمح القدر.”
فكرت، وأنا أنظر إلى القمر المنعكس على البركة:
لي آن… تُرى، ماذا تفعلين الآن؟ أتممتِ تدريبك؟ تجاوزتِ حدودك؟
اشتقت إليكِ كثيرًا.
عدنا إلى قاعة المأدبة، ومن خلال النافذة رأينا سو داريونغ محاطًا بنخبة الجيل القادم، يبتسم لهم بثقة، وكأن العالم كله بات يعترف به أخيرًا.
“سيدك الشاب يبدو سعيدًا.”
قالت جين هاريونغ.
“نعم، استحق ذلك.”
ثم أضافت بنبرة مرحة:
“تحدثت معك كثيرًا، ومع ذلك لم أتكلم مع سيدك الشاب الذي هزمني فعلًا.”
“اذهبي وتحدثي إليه إذن.”
“لا، عزاؤك يكفيني.”
في تلك اللحظة، فُتح باب القاعة، ودخلت امرأة غريبة.
حين رأيتها، شعرت بالدهشة. كانت هي ذاتها المرأة التي شجعت سو داريونغ في المدرجات.
توقف الكلام في القاعة، وتوجهت إليها الأنظار.
كيف دخلت دون دعوة؟
تحت أنظار الجميع، تقدمت بخطوات هادئة نحو سو داريونغ، والابتسامة الغامضة لا تفارق وجهها.