الانحدار المطلق - الفصل 124
كان سو داريونغ يسقي زهرة في أصيص وُضع في مكتب سيد جناح العالم السفلي.
قال مخاطبًا النبتة بلطف:
“إينجا، متى بالضبط سيعود سيد الجناح؟”
كان قد أطلق على الزهرة التي تركتها سيدة السيف ذو الضربة الواحدة اسم إينجا، وهي مزحةٌ مفادها أن الزهرة ثالث أهم شخص في المكتب بعد سيد الجناح وداريونغ نفسه.
تنهد قائلًا:
“لماذا لم يصطحباني معهما؟ ما كل هذه المتعة التي ينغمس فيها الاثنان حتى لا يرسلان أي خبر؟”
منذ أن غادر غوم موغوك ولي آن، أصبحت الحياة فاقدة لنصف بريقها. حتى جلسات الشراب المعتادة مع جانغو توقفت منذ شهر، فقد أجّلوها إلى أن تعود لي آن، لأن الجلسة لا تكتمل إلا حين يجتمع الثلاثة معًا؛ عندها فقط يشعر بالاكتمال.
ضحك ساخرًا وهو ينظر إلى الزهرة:
“همف! من الآن فصاعدًا ستكونين القائدة الأولى، وسأكون القائد الثاني. علينا الاعتناء بكل شيء بأنفسنا، نحن من تُركوا وراءهم!”
في الواقع، كان هو من يدير كل شيء بالفعل. فقد تولى سو داريونغ معظم المهام الكبرى في الجناح. ورغم وجود العديد من ذوو الخبرة، إلا أن الجميع علم أن غوم موغوك يفضله على غيره، لذا صار القائد بالوكالة بصورة طبيعية. وأثبت أنه يؤدي الدور أفضل من أي شخص آخر.
كانت فترة غياب غوم موغوك بمثابة زمن نضوجٍ ونيلٍ للاعتراف بالنسبة لداريونغ.
وفوق ذلك، لم يفوّت يومًا من دروسه في تقنيات النصل على يد شيطان نصل السماء الدموي.
أما غو تشيونبا، فلم يذكر اسم غوم موغوك أبدًا، وكأنه يخشى أن يُظهر اشتياقه له. وحتى حين كان سو داريونغ يتحدث عنه، كان شيطان النصل يتظاهر بعدم السمع.
قال داريونغ مبتسمًا بمرارة وهو يحدق من النافذة:
“سيدي… غيابك يجعل كل شيء أوضح.”
وبينما كان يغالب حنينه، فتح أحد فناني القتال التنفيذيين الباب ودخل قائلاً:
“نحن جاهزون.”
“لنذهب.”
ابتسم داريونغ ابتسامة صغيرة وهو يتمتم:
“لا أعلم أين قد يكون قائدي الكسول، لكن عليّ أن أعمل مجددًا.”
خارج المبنى، كان عشرة من فناني القتال التنفيذيين بانتظاره. عادة ما يتحرك محقق واحد مع اثنين فقط منهم، لذا فإن وجود عشرة دلّ على أن المهمة اليوم في غاية الخطورة.
قال بنبرة جادة:
“هل ارتدى الجميع درع بايهو؟”
“نعم، سيدي.”
كان درع بايهو هو الدرع القياسي لفناني القتال التنفيذيين؛ ليس بدرعٍ حقيقي، لكنه يصدّ النصال العادية بفعالية.
“لننطلق. كونوا متيقظين، فربما يحدث اشتباك.”
قادهم حتى وصلوا إلى غابة السُكر العظيم، مقرّ إقامة شيطان السُكر العظيم.
ذلك الشيطان كان أحد شياطين الدمار الثمانية، ودائم السكر، لذا لُقّب بشيطان السُكر العظيم. أحاطت به شائعات كثيرة، منهم من قال إن سُكره نابع من جرحٍ عاطفي قديم، وآخرون ظنّوا أن سُكره جزء من فنونه القتالية، وأن قوته تزداد كلما شرب أكثر.
أما أتباعه، فكانوا يُعرفون بالسكارى، مقاتلين مولعين بالشراب ويتحملونه كما يتحملون الألم.
وصلوا إلى بوابة الغابة فوجدوا الباب مغلقًا بإحكام. طرق أحدهم، ففتح الحارس الباب وقال بتهكم:
“من أنتم؟”
“نحن من جناح العالم السفلي. افتح الباب.”
“ما الذي جاء بكم؟”
رفع سو داريونغ وثيقة وقال بصرامة:
“جئنا لاعتقال السكير دوهو.”
كان دوهو قد قاد عربة وهو سكران، فدهس اثنين وقتلهما وجرح عشرة آخرين، ثم فرّ.
تردد الحارس قليلًا، ثم قال ببرود:
“دوهو ليس هنا. عودوا أدراجكم.”
“كيف تتأكد أنه ليس هنا؟ الغابة واسعة.”
“قلت إنه ليس هنا، يعني ليس هنا.”
ثم أغلق الباب بعنف.
تبادل رجال الجناح النظرات. كانوا يتوقعون هذا الرد؛ فشياطين الدمار لا تذعن بسهولة. ومع غياب غوم موغوك، تراجعت هيبة الجناح، لذا صار الآخرون أكثر جرأة.
قال داريونغ ببرود:
“حذّرهم، ثم اكسر الباب.”
“حاضر!”
صرخ فنان قتال تنفيذي:
“إن لم تفتحوا الباب بحلول العد إلى عشرة، سنقتحمه! واحد… اثنان… تسعة… عشرة!”
وقبل أن يُكملوا، صرّ الباب وفتح ببطء، وخرج رجل آخر — كان هويانغ، قائد الحراس.
نظر إلى داريونغ وقال:
“أتظن أنك تستطيع اقتحام الغابة والخروج حيًا؟”
ردّ داريونغ بثبات:
“السكير دوهو ارتكب جريمة، ولا يمكن التغاضي عنها. سلّموه وسنرحل.”
“قلت إنه ليس هنا.”
“شبكة معلوماتنا لا تُخطئ. إن ثبت وجوده، فستُتهم بإيواء مجرم، فهل أنت مستعد لذلك؟”
تبدلت ملامح هويانغ وهو يطلق هالة شيطانية باردة، لكن داريونغ لم يتزحزح. بل إن حضوره طغى على الآخر؛ هذه ثمرة تدريبه المتواصل تحت يد شيطان النصل الدموي.
بدأ هويانغ بالتراجع دون وعي بينما خرج رجل ضخم في منتصف العمر من الغابة.
صفعه بقوة حتى ارتد رأسه إلى الجانب.
“أيها الأحمق! تُهزَم أمام محقق بهذه السهولة؟!”
انحنى هويانغ مذعورًا وقال:
“أنا آسف!”
كان القادم غوما يونغ، أحد السكارى الثلاثة العظام، معروفًا بطبعه العنيف ولسانه الجارح.
تجمد داريونغ حين رآه.
“من بين الجميع… ألابد أن يكون هو؟”
اقترب غوما يونغ منه، تفوح منه رائحة الكحول النفاذة.
“كل هذا الضجيج لأجل سكير؟ تُفسدون عليّ شرابي!”
“دوهو قاد ع
ربة وهو سكران وقتل اثنين.”
“السكير يشرب، وهذه أمور تحدث! لماذا تضخّمون الأمر؟”
“لأن القانون يمنع ذلك.”
ضحك غوما يونغ باستهزاء:
“وهل تتبع أنت كل قانون؟”
“على الأقل لا أقتل الناس أثناء سُكري.”
اقترب غوما يونغ أكثر، ثم قال بحدة:
“انظر في عيني. عد إلى جناحك وابحث عن شخص آخر لتحمله المسؤولية. فهمت؟”
“لا أستطيع فعل ذلك.”
“ماذا قلت؟”
“قلت لا أستطيع. وإن لم تتنحَّ، سأعتقلك أنت أيضًا.”
التوى وجه غوما يونغ غضبًا، وسحب قارورة من خصره رافعًا إياها ليصبها على رأس داريونغ.
تحفز الفنانون خلف داريونغ، أيديهم على مقابض السيوف، مستعدين للقتال.
أطلق غوما يونغ ضحكة قصيرة وقال:
“اسحبوا سيوفكم إن كنتم راغبين بالموت.”
وتأهب السكارى خلفه أيضًا.
لكن داريونغ رفع يده يمنع رجاله. المعركة هنا لن تنفع أحدًا.
وفي اللحظة التالية، سمع الجميع صوتًا منخفضًا، لكن نبرته أشعلت الرعب في القلوب:
“إن سكبت تلك القارورة، سأقطع معصمك وأملؤها بدمك قبل أن أسكبها على رأسك.”
تجمّد غوما يونغ. أما داريونغ، فأشرق وجهه فرحًا وهو يلتفت:
“سيد الجناح!”
كان غوم موغوك يسير نحوهما، وخلفه الهالة ذاتها التي لا تخطئها العين.
قال بابتسامة هادئة:
“أحسنتم العمل، أيها الأعزاء.”
هرع فنانو القتال لتحيته:
“أهلاً بعودتك، سيد الجناح!”
“نحن سعداء بعودتك!”
بعد التحيات، تقدّم غوم موغوك نحو غوما يونغ وسأله ببرود:
“هل علّمك سيدك أن تسكب الكحول على رؤوس الناس؟”
تبدلت ملامح غوما يونغ، لكن الهالة التي أحاطت بموغوك سلبته القدرة على الرد. مجرد حضوره كان كافيًا لشلّه خوفًا.
تمتم أحد السكارى مندهشًا:
“هل كان السيد الشاب الثاني دائمًا بهذه الهيبة؟”
لم يجرؤ غوما يونغ على رفع عينيه.
قال موغوك بلهجة هادئة لكن تقطر تهديدًا:
“ظننتَ أن غيابي سيطول، فأطلقت لسانك. لكنني عدت الآن، وسأذكّرك بمكانك.”
ثم التفت إلى داريونغ:
“من المجرم؟”
“دوهو.”
عاد موغوك بنظره إلى غوما يونغ وقال:
“سمعته. أحضره الآن.”
تردد غوما يونغ، فاستل موغوك سيف الشيطان الأسود. انبعثت منه نية قتل جعلت السكارى يتراجعون خطوتين دفعة واحدة.
قال ببرود قاتل:
“قد تكون سكيرًا… لكنني المجنون هنا.”
ارتجف غوما يونغ، ثم تراجع قائلًا:
“سأحضره!”
ثم اختفى داخل الغابة.
وقف داريونغ مدهوشًا من الهيبة التي استعادها سيده. كان واضحًا أن موغوك تصرّف بخشونة متعمدة ليعيد للجناح هيبته.
اقترب منه داريونغ قائلًا بابتسامة متأثرة:
“متى عدت؟”
“الآن فقط. كنت متوجهًا لزيارة أبي، لكنني سمعت أنك هنا، فمررت في طريقي.”
اغرورقت عينا داريونغ بالدموع:
“لم أظن أنني سأكون بهذا الفرح لرؤيتك مجددًا، أيها القائد.”
“أم لأنك سعيد لأن السكير لم يسكب الشراب على رأسك؟”
ضحك داريونغ:
“الحقيقة… حين شممت رائحته، أدركت أنه شراب فاخر. تمنيت لو أتذوق القليل منه، ولو على وجهي!”
ضحك الجميع، وتبددت توترات المكان.
خلال هاته الفترة، تطور سو داريونغ أكثر. ليس فقط في الفنون القتالية أو الهالة، بل حتى شخصيته. على المرء أن يظل بهذا المستوى من الهدوء بينما يتعامل مع شخص مثل غوما يونغ.
“هل يجب أن أغيب أكثر إذن؟”
“من فضلك لا! كدت أموت مللًا بدونك، أيها القائد!”
تبادل الجميع الضحكات، وامتلأ الجو بدفء لم يشعروا به منذ زمن.
ثم فُتح الباب، وعاد غوما يونغ يسحب دوهو بعنف، وجهه مغطى بالكدمات.
قال موغوك بهدوء:
“اعتقلوه.”
اقتاده فنانو القتال على الفور.
نظر غوما يونغ بغيظ، محاولًا حفظ ماء وجهه، لكن موغوك قال بلطف مقصود:
“بما أنك سكير، فلن أمنعك من الشرب، لكن اشرب دون أن تؤذي الآخرين. وشكرًا لتعاونك.”
ثم أضاف مبتسمًا:
“في المرة القادمة، سأكون أنا من يدفع.”
سخر غوما يونغ دون رد، واستدار إلى الداخل.
غادر موغوك مع داريونغ نحو جناح الشيطان السماوي.
قال الأخير:
“هل أصبت في أي مكان هذه المرة؟”
“لا، لم يحدث شيء.”
“هذا يطمئنني. عندما سمعت أن شيطان الابتسامة الشريرة عاد وحده، خفت أن يكون قد قتلَك.”
“لو فعل، لما كنت هنا الآن.”
“كادت قدماي تحملاني إلى وادي الأشرار لأتأكد بنفسي.”
“ولو فعلت، لكان محقق آخر في مكانك اليوم.”
“لهذا لم أذهب.”
ضحكا معًا، والجو بينهما عاد كما كان.
ثم همس داريونغ فجأة:
“انتظر… في الشمال الغربي. انظر دون أن تثير الانتباه.”
رفع موغوك نظره قليلًا، فرأى امرأة واقفة هناك، جمالها يسرق الأنفاس.
قال داريونغ مبهورًا:
“هل وُجد مثل هذا الجمال في طائفتنا من قبل؟ يا لها من هيئةٍ سماوية!”
“هل أعجبتك؟”
“ومن لن يُعجب؟”
“هل ترغب بلقائها؟”
“ماذا؟ لا أجرؤ حتى على النظر في عينيها! أنت تمزح؟”
“بل جاد. لقد جاءت معي.”
“ماذا؟!”
اتسعت عينا داريونغ دهشةً:
“لا تقل إنكما مقربان أيضًا!”
ابتسم موغوك وأشار نحوها:
“يمكنك التأكد بنفسك.”
وبخطواتٍ رشيقة، بدأت المرأة تقترب منهما.